نص الشريط
شعاع القرآن في التراث الإمامي
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 8/1/1435 هـ
مرات العرض: 2540
المدة: 01:16:55
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (7341)
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ

آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم

انطلاقا من الآية المباركة نتحدث حول شعاع القرآن في التراث الإمامي، وذلك عبر ثلاثة محاور:

المحور الأول: مرجعية الكتاب والسنة.

هل أن الكتاب والسنة دليلان في عرض واحد؟ أم أن السنة في عرض الكتاب؟ فمثلاً: ولاية الفقيه هي في طول ولاية المعصوم، وليست في عرضها. بمعنى أنه لو لم يكن هناك حكم من المعصوم تصل النوبة إلى حكم الفقيه. كذلك حال البنت البكر، إذ عليها وليان في عرض واحد، هما: والأب، والجد للأب، فإذا تقدم أحدهما وأمضى العقد على البنت البكر نفذ إمضاؤه.

أما تفصيل نسبة السنة للكتاب، وهل هي السنة في عرض الكتاب أم في طوله؟ يلزمنا أن نشير إلى هناك تفصيل بين السنة الواقعية والسنة الظاهرية: إذ أن السنة الواقعية هي نفس ما صدر عن المعصوم، نبيا كان أو إماما، من قول أوفعل أو تقرير، وأما السنة الظاهرية فهي مجموع الروايات الموجود في الكتب الأربعة التي وصلتنا، إذ أنها تحكي عن السنة، وليست هي السنة نفسها.

نفس السنة - أي السنة الواقعية - هي في عرض الكتاب، أي كما أن الكتاب دليل وحجة في حد ذاته، ما صدر عن المعصوم هو أيضا دليل وحجة في حد ذاته، وليس الأمر كما يعتقد البعض: من أن أحدهما يرتكز على الآخر؛ لأن مقتضى العقل هو عرضيتهما. العقل يقول: كما أن القرآن هو وحي نزل من السماء فهو دليل وحجة على العباد. هو محمد نبي من قبل الله، وقد ثبتت نبوته بممعاجز غير القرآن الكريم، فثبتت حجيته.

فما الكليم ما العصا وما الحجر   فهو    بسبابته   شق   iiالقمر

فإذا ثبتت نبوة النبي بدليل من الأدلة، غير القرآن الكريم، وثبتت عصمته بدليل نبوته؛ كون النبوة تلازم العصمة، تكون النتيجة حينئذ إثبات حجيته. أيضا، أي شخص تثبت إمامته بنص من الرسول فإن عصمته مثبتة، لكون الإمامة عقلا تلازم العصمة. وعلى هذا تثبت حجيته. وكذا يكون العقل قد قرر حجية الكتاب في حد ذاته وحجية السنة الواقعية في حد ذاتها. دون ارتكاز لأي منهما على الآخر. لذلك الرسول أودع الثقلين في عرض واحد: ”إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي“.

أما السنة الظاهرية - وهي الروايات التي وصلت إلينا - إنما قلنا بحجيتها من باب السيرة العقلائية، وهي السيرة قائمة على الأخذ بخبر الثقة. والروايات الواصلة إلينا من ثقات تحصل على مقتضى السيرة العقلائية الممضاة من قبل المشرع بعدم ردعه عنها، وهذا المقتضى هو حجيتها الطولية متى كانت جامعة لشرائط الحجية. وهنا ثلاثة نطرحها أسئلة ونجيب عليها:

السؤال الأول: ما هو الدليل على أن حجية الروايات في طول حجية الكتاب؟

الدليل هو أن الروايات التي ثبتت صحتها بالتواتر، والتي دلتنا على أن كل خبر هو حجة ما لم يعارض الكتاب. ففي صحيحة أيوب بن الحر، والتي أشرنا إليها في ليلة سابقة: ”كل حديث مردود إلى الكتاب والسنة، وكل شيء لا يوافق كتاب الله، فهو زخرف“. وفي صحيحة يونس: ”لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا“. وكذا يثبت لدينا بأن حجية أي رواية ألا تكون مخالفة للكتاب، وهذا يحقق كونها حجية طولية.

السؤال الثاني: ما هو معنى عدم الموافقة؟

ما هو المراد من هذا التعبير الوارد في صحيحة الحر: وكل شيء لا يوافق كتاب الله فهو زخرف، ما معنى بالتحديد كلمة: لا يوافق؟ وهل المراد بها أن كل حديث «لا يوجد مضمونه في القرآن» فهو زخرف؟ أو أن كل حديث «يعارض القرآن» فهو كذلك؟

إذا قلنا بالمعنى الأول، فهذا من شأنه أن يلغي ثلثي الوراد علينا من الروايات، إذ أن كثيرا منها يحمل مضامين جديدة ليست موجودة في القرآن. أما إذا قلنا بالمعنى الثاني، ورأينا المراد من عدم الموافقة هو عدم المعارضة، فلسوف تضيق الدائرة، وسنطرح القليل من الأحاديث؛ لكون المعارض أصلا قليل. وكذا يتضح الفرق بين المعنيين. السيد الشهيد، السيد محمد باقر الصدر، في كتابه [بحوث في علم الأصول، الجزء السابع، ص 316، ص 321] كان قد تعرض لهذه النقطة. وذلك عندما قال: المقصود بهذه العبارات: «كل شيء لا يوافق كتاب الله فهو زخرف، أو مردود إلى كتاب الله» المقصود الحديث المعارض، وليس ذاك الذي مضمونه ليس موجودا في الكتاب. لماذا؟

أولا: لو قلنا «كل حديث ليس مضمونه في الكتاب يطرح، وهو زخرف»، فيلزم ذلك لغوية حجية الخبر؛ لأنه إما مضمون الحديث موجود في الكتاب فلا نحتاج أصلا للحديث، أو مضمونه غير موجود في الكتاب فنطرحه. وعليه لا يعود يبقى لحجية الخبر أي مورد.

ثانيا: لقيام الارتكاز المتشرعي القطعي على أن دور الإمام لا ينحصر في شرح الكتاب، إذ يستطيع النبي، على سبيل المثال، أن يجلب أحكاما ألهمت إليه من قبل الله عزوجل، والقرآن يؤكد هذه الاستطاعة بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ. ﴿وَالْحِكْمَة دليل على عدم الحصر. حيث أن أحكاما كثيرة وصلت للنبي وما كانت في الكتاب، وقد قام بتبليغها وبيانها، والقرآن يوضح ذلك أيضا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. ودور الإمام على قياس دور النبي. وعليه نصل إلى قرينة خلاصتها أن المقصود من عدم الموافقة الوارد في العبارة هو عدم المعارضة، وليس وجود المضمون من عدمه.

وفي الراوية: ”إذا بلغ الماء قدر كُرِّ لا ينجسه شيء“. وهذا حكم غير موجود في القرآن، إنما غير معارض له أيضا، وقد جاء بمضمون جديد، وعليه، فلا يطرح. ويأخذ بحجيته. فالماء أقل من كر يتنجس ولو بقطرة دم، ولو كان مقدار الكر كما لدى السيد الخوئي: 3×3×3، والوحدة: شبر، أي ما عادل 27 شبرا، فلا يتنجس بملاقاة النجاسة، ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه. أما بشأن المعارضة، وهل حرفية أم روحية؟ فهذا المبنى شرحناه في ليلة السادس من المحرم، وقد ذكرنا في شأنه نظرتين.

مسألة أخرى: إذا ورد علينا خبران، وكان لكل منهما حجية، أي كل منهما قد صدر عن ثقة، إنما تعارضا، فهنا نقدم ما مضمونه في الكتاب على ما مضمون معارض له. وقد مثلنا لهذا في الليلة السادسة أيضا، إذ قلنا: لو أن خبرا ورد علينا بجواز الربا بين الوالد وولده، وآخر يقول إلينا بعدم جواز ذلك. فنقدم ما يحرم على ما يجيز؛ وذلك لوجود مضمون التحريم في الكتاب، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا. وفي مرجحات باب التعارض، إذا ورد خبران متعارضان وبحثنا عن المرجح، فهو موافقة الكتاب، بمعنى وجود المضمون فيه، أما إذا ما كان للخبر أي خبر آخر معارض، وما كان مضمونه موجودا في الكتاب، فيؤخذ به.

وعلى ذلك كله، نجد فرقا واضحا بين الموافقة في باب حجية الخبر والموافقة في باب تعارض الأخبار، فالموافقة في الباب الأول هي بمعنى عدم المعارضة، أما الموافقة في الترجيح بين الخبرين المتعارضين بمعنى وجود المضمون في الكتاب.

السؤال الثالث: إذا جاءنا خبر ثقة، وليس معارضا للكتاب، فهل نأخذ به؟

نعم، ولو كان مُخَصِّصًا للكتاب، أو مفسرا له، أو مساويا له، فهذا مقتضى حجية خبر الثقة. أما إذا ما كان لدينا خبر صحيح، أو وجد، ولكنه ضعيف، أي بسند غير معتبر، أو ما قامت القرائن على الوثوق بثبوت صدوره، فنأخذ بظاهر الكتاب، وفي هذا تنزل من الأخذ بالتفسير إلى الأخذ بالظاهر. بحيث يتم العمل بناء على الظاهر أيضا. وذلك حتى في مجال استنباط الأحكام.

والسبب: أن الفقيه، في مجال الاستنباط، لا يفحص عن المعنى الواقعي عند الله، إنما يصل للمعنى الواقعي عبر الرواية، فإن لم تكن هناك رواية لم يمكنه الوصول. وعليه يأخذ بظاهر الكتاب ويفتي بناء على هذا الظاهر؛ لأنه يكفي في الفتوى المعنى الظاهري. وسبب الكفاية هو حجية الظهور الواردة في علم الأصول، بمعنى المنجزية والمعذرية، أي أن العمل بالظاهر معذر أمام الله تبارك وتعالى ومنجز للمطلوب.

المحور الثاني: أهمية الأهداف القرآنية.

حيث تضمن كتاب الله أهدافا عظيمة وأسرارا ثمينة، وقد جاء فيه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. وهنا سؤالان يتعلقان بالأهداف القرآنية:

السؤال الأول: هل التمسك بالأخبار يلغي حجية القرآن؟

لو أخذنا بالنظرية المعروفة لدى العلماء: بأن الخبر لو كان من ثقة وما كان معارضا للقرآن فيؤخذ به، فلازم ذلك أن نأخذ بآلاف الأخبار. وإن أخذنا بالآلاف، فلازم هذا إلغاء مرجعية القرآن الكريم. لإننا دائما مع الآيات سنأخذ بالخبر المخصص أو المفسر، فلا تبقى للقرآن مرجعيته، وإن ما بقيت له فلسوف تضيع أهدافه. والحال أن القرآن يأمرنا بالتحفظ على أسراره وأهدافه، ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. ويقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا. فكيف نأخذ بالآلاف لمجرد أنها أخبار ثقات، ولازمها هو تضييع أهداف ومقاصد القرآن وإلغاء مرجعيته؟

الإجابة ستكون بتوضيح مثالين: أحدهما في العقائد والآخر في الأحكام الفقهية. أما الذي في العقائد: فعندما نأتي لهذه الفقرة الشريفة من الزيارة الجامعة: ”وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم“ قد يحدث أن يتصور الإنسان بأن هذه الفقرة تعارض القرآن الكريم الذي قال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابهمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابهمْ. فكيف نأخذ بهكذا خبر معارض؟ وإن نأتي للفروع، أو الحكم الفقهي، فالفقهاء - وهذا الرأي هو المشهور - يقولون: بأن حق الزوجة في المعاشرة الجنسية مرة من أربعة شهور، مع ملاحظة الفرق بين حق المبيت وحق المعاشرة، فالمبيت: أن يبيت معها زوجها، ولها حق ليلة من أربع ليال.

أما الإنسان عندما يتلقى هكذا حكم، وهو مذكور في الروايات، قد يقول بمنافاته للقرآن الكريم الذي قال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وبمنافاته لقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ. بالأخذ بما في الخبر يجعلها كذلك، فلا هي زوجة ولا هي مطلقة. كما ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ. فإن للزوج كل الحق في المعاشرة الجنسية متى أراد فللزوجة مثل ذلك. وعليه، فإن هذا النوع من الروايات، وإن كانت صحيحة، لو أخذنا بها لضاعت مقاصد القرآن ومضامينه، لذلك نتحفظ عليها ونتوقف عندها لئلا يلزم العمل بها إلغاء مرجعية القرآن وتضييع أهدافه.

أما الجواب على السؤال المطروح، فنحن قد ذكرنا في الليلة السادسة، أن أصحاب هذه النظرية، نظرية الأخذ بخبر الثقة، سواء كان مخصصا أو مفسرا أو مساويا لما ورد في القرآن، يفصلون قولهم ولا يطلقونه. إذ يقولون: إذا كان عموم القرآن قابلا للتخصيص بحيث لا يتنافى عرفا تخصيصه مع مضمونه، هنا يقدم الخبر، أما إذا افترضنا أن تخصيص عموم القرآن يلغي مضمونه، لا نأخذ بالخبر. وليلة السادس من المحرم كنا قد ضربنا أمثلة على هذا، حيث قلنا أن القرآن يقول: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ. وهذا عموم. فكل بيع حلال. إنما الرواية أتت وقالت: نهى النبي عن بيع الغرر، وهذا تخصيص لا يؤثر على الآية بتضييع مفادها.

آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ. وفي رواية: ”لا تزوجوا الأكراد، فإنهم جنس من الجن كشف عنهم الغطاء“. وتخصيص الآية بهذه الرواية سيضيع مفادها، بمعنى أن المرتكز العرفي هنا يأبى التخصيص. فلسان الآية لا يوافق أن يخصص، إذ لا يُرى التخصيص لو طبق أنه في موقعه، بل سيُرى أنه مضيع للمفاد من أصله. وبالتالي قول أصحاب هذه النظرية ليس بالقاعدة المطلقة، بل مشروطا بالتخصيص الذي لا يوجب لغوية عموم القرآن بنظر المرتكز العرفي. وهذا أولا.

ثانيا: إن جئنا لمناقشة الفقرة المذكورة من الزيارة فقهيا، فسنجدها لا تتعارض مع القرآن الكريم، والسبب قد تعرضنا له ليلة السادس أيضا، وذلك عندما قلنا أن السيد الشهيد قد ذكر أن المعول عليه هو الظهور الموضوعي وليس الظهور الشخصي. أي الظهور المتكون من مجموع الآيات ومجموع القرائن العرفية المساندة. فالقرآن أحيانا يسند الوظائف إلى الله، وفي أحيان أخرى يسندها إلى سفرائه، يقول تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا، وفي موضع آخر: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَك الْمَوْت الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ. والجمع بين الآيتين يكون بالإقرار أن القابض للأرواح بالأصالة والحقيقة هو الله، وما ملك الموت في القبض والتوفي إلا واسطة وأداة. ومثال ذلك: تدوين الفكرة. فالمدون أنا، والقلم أداة وواسطة. إذن، الإياب والمرجع يوم القيامة لله، والأئمة واسطة ذلك وسفراؤه. وبالتالي لا منافاة بين الرواية والآية.

أما بالنسبة للحكم الفقهي والقول بوجود منافاة بين حق المرأة من المعاشرة الجنسية مرة من أربعة أشهر، والآية التي تقول: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ. فإن الفقهاء يقولون: لا يصح التمسك بالدليل في الشبهة المصداقية. أي أن القرآن عندما يطرح عنوانا عريضا وعاما دون تحديده بتفاصيل، فإنه ينبغي علينا أن نبحث عن تفسير آخر يحدد لنا تلك التفاصيل. فإنه ما بين لنا ذلك المعروف ولا حدد طبيعته ولا علمنا بضوابطه. وبالتالي لا يمكننا أن نستدل على أن المعروف المقصود في الآية هو أن يكون للزوجة مثل ما للزوج من حق المعاشرة الجنسية.

والمقصود يعرف بالرواية فقط، والأمر كذلك بالنسبة للآية الأخرى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ. فالرواية وحدها من تقول لنا ما الذي عليهن لنعرف بعد ذلك ما الذي لهن. وكلها عناوين عامة لا يحتج بها؛ لذا لزم الرجوع إلى الرواية، والرواية تقول: أن للمرأة مرة من أربعة أشهر. وعندما نتحدث عن الأحكام، فالفقهاء يقولون: فرق بين الحكم بالعنوان الأولي، وبين الحكم بالعنوان الثانوي. ومثال ذلك: وجوب صوم شهر رمضان، إذ أنه من أركان الدين. إنما لو كان الصوم مضرا للبدن ضررا معتدا به، وقتها يتحول الصوم من واجب إلى محرم. وبالتالي أصبح لدينا للصوم نفسه: حكم بالعنوان الأولي، وآخر بالعنوان الثانوي.

وبنفس السياق الفقهي، فللمرأة حق من المعاشرة الجنسية بالعنوان الأولي مرة من أربع أشهر، إنما حقها بالعنوان الثانوي قد يكون مساويا لحق الرجل. بمعنى: أنه لو لزم من العدد القليل من مرات المعاشرة الجنسية انحراف المرأة أو تضررها أو التسبب لها في ضيق فهذا عنوان ثانوي يوسع حقها في المعاشرة الجنسية إلى ما يرفع الحرج عنها. وبالتالي هذه الرواية لا تلزم تضييع أهداف الكتاب، إذ يمكن التحفظ على تلك الأهداف بالعناوين الثانوية.

السؤال الثاني: لماذا يقتصر الفقهاء على آيات الأحكام؟

القرآن آياته على أقسام، منها ما يتحدث عن الطبيعة والفلك، وقسم عن التاريخ، وثالث عن التربية والقيم والمواعظ، ورابع عن التشريعات. والفقيه إذا أحاط بالقرآن كله واطلع على جميع آياته وأقسامه اكتسب رصيدا قرآنيا يساعده على فهم أسرار التشريع ومقاصد الشريعة، وبالتالي يثريه في مجال الاستنباط. مثلا: القرآن يقول: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا، فلماذا لا يأخذ الفقيه هذه الآية ويستفيد من أسرارها في التشريع؟ ولماذا يقتصر الفقهاء على مجال الأحكام؟ والإجابة على هذا كما يلي:

أولا: فقهاؤنا لم يقتصروا في الاستدلال على آيات الأحكام، بل هم يتجولون في كامل الكتاب، وكل آية لها علاقة بالحكم الشرعي أو تؤدي إلى تحديد موضوعه أو متعلقه تجدهم يدرسونها. لو نراجع كتب السيد الخوئي «قده» في الفقه، نجد أن الأبحاث القرآنية في هذه الكتب بمقدار الثلث، إذ أن ما له كتاب مستقل في تفسير القرآن، وكتابه: البيان في تفسير القرآن اختص بتفسير علوم القرآن فقط، وقد تعرض فيه إلى تفسير سورة الفاتحة والإخلاص، أما بقية السور فقد فسرت إنما ما طبعت.

وعندما يأتي هذا السيد الجليل إلى كلمة العدالة تجده يعود للقرآن الكريم ويتتبع هذه المفردة في كامله ليقتنص منه مفهومها. ففي صحيحة ابن أبي يعفور: بما تعرف عدالة الرجل؟ وفي راوية أخرى: ”لا تصلِ إلا خلف إمام عدل“. إذن يلزمنا مفهوم لمعنى العدالة.

مثال آخر: عبارة «لا ينبغي»، فقد نجد لدينا: أنه لا ينبغي على الرجل أن يترك امرأته لأكثر من أربع ليال. وعليه أنفسر «لا ينبغي» بالحرام أم المكروه؟ وكذا يتتبع الأعلام هذه المفردة في سياقات القرآن ليقتنص منه مفهومها. ولا يستندون في ذلك إلى آيات الأحكام فحسب، بل يستعينون بمجموع الآيات، وبكل ما له علقة من عنوان الحكم، بموضوعه، وبمتعلقه.

ثانيا: سير البحث، بحث صغروي. بمعنى أنك من الممكن أن ترى آيات معينة مفيدة، غيرك يراها غير مفيدة، كأنت تقول: قرأتُ فرأيت، وغيرك يقول: قرأت فما رأيت، وهذا اختلاف في وجهات النظر، وهو خلاف عادي قد يحدث بين أي مجتهدين. فإن عدنا للآية: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا. فإن فقيها كالسيد محمد باقر الصدر، في كتابه: اقتصادنا، يقول: هذه الآية تدل على تشريع. أي أن الله يرى أن الثروة ملك لمجموع البشرية، وليست ملكا شخصيا لواحد دون آخر.

بينما السيد الخوئي يرى أن هذه الآية ليس لها علاقة بالأحكام الشرعية، بل يجدها تتناول موضوعا كونيا مفاده: أن من نعم الله على الإنسان أن هيأ له الأرض بكل ما فيها، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا، وهذا خلاف في الفهم، وهو نوع من الخلافات لا تقام عليه البحوث، ويرجع به إلى مواطنه.

المحور الثالث: حول منطقة الفراغ.

هناك منطقة فراغ، ما تحدث عنها القرآن الكريم، وأوكلها الله إلى النبي والأئمة ليملؤونها، ولها عدة موارد.

المورد الأول: الولاية على التشريع.

المشرع الأول بالأصالة هو الله تبارك وتعالى، حيث قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. إنما مجموعة من الروايات الثابتة والصحيحة تؤكد أن النبي له حق التشريع. بمعنى أن الله ترك مساحة للنبي كي يملأها بما يشرعه. فالنبي نفس قدسية، وهو أشرف المخلوقات، ولأنه كذلك ولأنه معصوم علما وعملا، فهو لا يخطئ الواقع أبدا، وهكذا أعطاه الله حق التشريع، فما رآه مصلحة عامة للبشرية شرع حكما فيه على أساس ما رأى، وكذا يكون التشريع منه نافذا وماضيًا.

في [الوسائل، الجزء 25، ص 325] هذه الصحيحة: ”إن الله حرم الخمر بعينها وحرم رسول الله المسكر من كل شراب، فأجاز الله له ذلك“. وفي [الوسائل، الجزء الرابع، ص: 46]: ”إن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات، فأضاف رسول الله إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة، فصارت عديل الفريضة، لا يجوز تركهن إلا في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله له ذلك كله، فصارت الفريضة سبعة عشر ركعة، ثم سن رسول الله النوافل“. وكشاهد ثالث: ”إن الله فرض الفرائض «أي المواريث» ولم يقسم للجد شيئا، وإن رسول الله أطعمه السدس، فأجاز الله جل ذكره له ذلك“.

وعلى هذا كله، يكون الحال أنه قد وردتنا تشريعات عن النبي ، وليس لنا أن نطرحها بحجة عدم وجودها في الكتاب، ما دام للنبي حق التشريع. أما بالنسبة للأئمة وهل لهم ذلك الحق نفسه أم لا، فالمسألة خلافية بين العلماء، ولا أدخل فيها، وقد تعرضتُ لها في كتابي: ميثاق الإمامة في آية الولاية، لمن يحب الرجوع إليها مفصلة. فبعض العلماء يرى أن لهم هذا الحق، والبعض الآخر لا يرى ذلك. وعليه، إن وردتنا روايات تحمل تشريعات صادرة عن الأئمة ، لا هي في القرآن، ولا مثلها عند النبي، فنأخذ بها إن آمنا بأن لهم حق التشريع، وإن لم نؤمن لا نأخذ. لكونها معارضة للسنة القطعية، حيث السنة القطعية حصرت ولاية التشريع في الله ورسوله.

المورد الثاني: الحكم الولايتي.

الفقيه له وظيفتان: الفتوى والحكم. أما الفتوى فهي الخطاب العام غير المختص بزمان أو مكان أو مجتمع. مثلا: الدم نجس. العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه فهو حرام. أي: لو كتب في تركبيبته أنه غلي فيحرم شربه ما لم تحرز أنه قد ذهب ثلثاه، فشربه حرام. وهذان هما مثالان في الفتوى. أما إذا قال الفقيه: أنه يجب على الشعب الإيراني أن يخرج للانتخابات، أو يجب ذلك على الشعب العراقي. فهذا حكم ولايتي. وليس بفتوى؛ كونه خطابا خاصا لظرف معين وقضية زمنية. أو يقول: يحرم شراء البضائع الدينماركية، هذا أيضا حكم ولايتي، وليس بفتوى.

الإمام المعصوم أيضا، قد يصدر منه حكم شرعي عام، وآخر ولايتي. مثال ذلك: ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم وزرارة، عنهما جميعا، أي عن الباقر والصادق عليهما السلام، قالا: ”وضع أمير المؤمنين على الخيل العتاق الراعية في كل فرس في كل عام دينارين وجعل على البراذين دينارا“ [الوسائل، الجزء 9، ص 77]. فالإمام كما هو مصدر للتشريع، هو ولي الأمر ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ. فإذا صدر منه حكما فهو نافذ. ومن الأحكام الولايتية التي صدرت عن المولى علي ، أيام ولايته، أنه وسع الزكاة، فجعلها حتى على الخيل العتاق والبراذين؛ لتغطية حالات الفقر في زمانه. وكذا إن صدر أي حكم ولايتي من إمام، فلا نطرحه، بل نأخذ به بما هو ولي الأمر.

المورد الثالث: بطون القرآن.

ورد عن النبي محمد : ”إن للقرآن ظهرا وبطنا، و“ إن للقرآن سبعين بطنا". وبطون القرآن هي معان وردت في الروايات لا يمكن استفادتها من ظاهر القرآن، لكن بينها وبين ظاهر القرآن علاقة، ولا يعرف بطون القرآن إلا أهله، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وقد ورد في الرواية: أن أهل الذكر هم آل محمد. مثال ذلك: عندما نقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. فسنجد أن ظهر هذه الآية، أي ظاهرها، هو أن هذا القرآن قد نزل في ليلة من ليالي شهر رمضان، وهذه الليلة تسمى بليلة القدر. وهذا الظاهر هو حجة.

إنما جاءت الرواية عن الصادق : ”ليلة القدر أمي فاطمة الزهراء“. وهذه راوية لا نطرحها لعدم وجودها في الكتاب أو في كلام النبي؛ لأنها بطن من بطون القرآن. وبما أن الإمام الصادق من أهل القرآن وحملته فهو أعرف ببطونه. وهنا نلفت إلى أن المعنى الباطن لا يعارض المعنى الظاهر حتى يطرح، بل يضاف إليه، ولا مشكلة في الإضافة أبدا. فكما ليلة القدر هي ظرف لنزول القرآن، فقلب فاطمة أيضا ظرف لمعان القرآن ومضامينه. وكذا تكون الرواية تقول بأن لليلة القدر مصداقان: الأول: هو المصداق الزمني المتمثل بليلة زمنية، والثاني: هو قلب فاطمة . ولا تعارض بين المصداقين. فنخلص إلى أننا لا نطرح البطون ما لم تتعارض، والبطن الذي نقبله هو الذي له علقة بالمعنى الظاهري للآية، كما يوجد فرق بين بطون القرآن والتفسير المصداقي للقرآن.

مثال: قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا. واليتيم من فقد أباه قبل البلوغ، وهذا ظاهر الآية، أما بطنها، فقد ورد عن الإمام الباقر ، يخاطب أبا بصير: يا أبا بصير، ما أيسر ما يدخل العبد النار؟ من أكل من مال اليتيم درهما. ثم يعقب الإمام «والتفسير مصداقي في هذا التعقيبب»: ”ونحن اليتيم يا أبا بصير“. وهكذا نجد أن القرآن قال «اليتامى» وما عين أيها المقصودة بعينها، فإن لليتامى مصاديق، ومنها: أهل البيت . وعليه يكون هذا ليس بطنا من بطون القرآن إنما تفسير بالمصداق. كذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. يقول الإمام الصادق : ”النفس المطمئة جدي الحسين“.

ملاحظة ختامية: هناك مجموعة من الشباب اقترحوا أن تكون ليلة الثامن ليلة اليتيم، والسابع ليلة الأخوة، والتاسع ليلة الشباب، وكلها أفكار جميلة، ونحن في مناطقنا القطيف والأحساء ولله الحمد، أغلب الجمعيات الخيرية بها لجنة كافل اليتيم، ورد عن النبي : ”أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة“، والتطبيق يسير، تقدم لأي لجنة واطلب منها أن تكفل يتيما بمبلغ شهري وأجرك عظيم عند الله، وهذه اللجان كلها وعلى المستوى المنطقة كاملة قامة بمشاريع ضخمة لرعاية الأيتام.

البعد الإجتماعي لغة المسالمة والمداراة في التراث الإمامي
البعد الروحي في الفكر الإمامي