نص الشريط
الدرس 67
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 20/4/1437 هـ
تعريف: انحلال العلم الإجمالي
مرات العرض: 1804
المدة: 00:30:48
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (252) حجم الملف: 14.1 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ما زال الكلام في عرض مبنى المحقق النائيني «قده» ومناقشته، وفي كلامه عدة ملاحظات:

الملاحظة الاولى: ان المحقق النائيني «قده» افاد أن المنجزية اثر للعلم بما هو كاشف لا للعلم بما هو صفة نفسية، وبالتالي فالمدار على المنكشف لا على الكاشف، ومن هنا ذهب الى ان سبق المعلوم سواء كان سبقا زمنيا أو رتبيا ضائر بمنجزية العلم الثاني.

وفيه: بأن المنجزية لا اشكال بأنها اثر للعلم لا بما هو صفة نفسانية، بل بما هو كاشف وطريق الا ان المتنجز بالعلم الوجود الواقعي للمعلوم أو المعلوم بما هو معلوم، فمجرد ان المنجزية صفة للعلم بما هو كاشف لا يستلزم ان يكون المتنجز الوجود الواقعي للمعلوم، وانما المعلوم بما هو معلوم مع آثار المنجزية قد تسبق التنجز زمانا لكن من حين التنجز، مثلا إذا باع البائع المعين وبعد ان باعه علم اجمالا اما بخمريته أو بخمرية شيء ثاني. فبعد العلم بالخمرية على نحو الاجمال تنجزت آثار العلم بالخمرية ومن آثاره فساد بيعه، فالتنجز وان حصل حين حصول العلم بالخمرية اجمالا لا من الاول الا ان من آثار هذا التنجز بطلان ذلك البيع بمقتضى كونه طرفا للعلم الاجمالي، بطلان ذلك البيع فالحكم بالبطلان ثبت لنا لكن الثابت به سابق زمانا، نظير ما ذكر في اجازة العقد الفضولي من ان المالك لو اجاز العقد الفضولي في يوم الجمعة وقد وقع العقد منذ يوم الثلاثاء فإن اثر اجازة العقد الفضولي ان النماءات التي حصلت بين يوم الثلاثاء ويوم الجمعة فهي للمشتري بناء على القول بالكشف الحقيقي، أو الحكمي أو الانحلالي.

الملاحظة الثانية: ذكر المحقق النائيني «قده»: انه في مسالة الملاقي لا يوجد علم بحدوث التكليف ولذلك لا يكون العلم بالاجمالي الثاني منجزاً، لانه ليس علما بالحدوث، فاذا علم اجمالا بنجاسة الماء الابيض أو الماء الازرق، ولاقى ثوبه الماء الابيض، فالعلم الاجمالي الجديد وهو العلم بنجاسة الثوب أو الماء الازرق ليس علما بتكليف حادث حتى يكون منجزا إذ على تقدير ان النجاسة المعلومة بالاجمال هي في طرف الثوب فهي نفس النجاسة الموجودة في الملاقى وهو الماء الابيض، وعلى تقدير ان النجاسة المعلومة بالاجمالي في طرف الماء الازرق فهذا بقاء للتكليف السابق، فليس العلم الاجمالي السابق علما بتكليف حادث على كل تقدير كي يكون منجزاً.

ويلاحظ على ما افاده «قده»: النقض والحل:

أما النقض: فلو شككنا في نجاسة هذا المائع المعين كما لو شككنا في نجاسة هذا الماء الابيض نحتمل انه نجس ولا توجد حالة سابقة له، وبعد ساعة علمنا اجمالا بنجاسته أو نجاسة الماء الازرق، فقلنا: لما شككنا فيه قبل ساعة صحيح وهو ان هناك نجاسة لكن لا ندري هل هي فيه ام في الإناء الازرق؟! فالعلم الاجمالي الانه ليس علما بحدوث تكليف إذ على تقدير كون هذه النجاسة في نفس المائع الذي شككنا فيه فهذا التكليف من الاول يعني من حين الشك فهو على احد طرفيه ليس علما بتكليف حادث بل هو علم ببقاء تكليف لاننا الان علمنا ان تلك النجاسة التي شككنا فيها صحيحة ومطابقة للواقع، لكن لا ندري هل انها في الإناء الابيض ام في الإناء الازرق، فهذا العلم ليس علما بحدوث تكليف، وإنما علم على فرض احد الطرفين علم بالبقاء.

وأما الحل: من ان المدار في المنجزية على كون العلم بتكليف فعلي لا على كون العلم علماً بتكليف حادث، فمتى ما كان العلم الاجمالي علما بتكليف فعلي مرددا بين طرفين، وإن كان على فرض كونه في احد الطرفين فهو حادث وعلى فرض كونه في الطرف الثاني بقاء في التكليف السابق، هذا لا يضر بمنجزيته ما دام علما بتكليف فعلي. ففي مسألة الملاقي إذا علمنا اجمالاً بنجاسة الابيض أو الازرق ثم لاقى الثوب الإناء الابيض فعلمنا اجمالا اما بنجاسة الثوب أو نجاسة الازرق. فنقول: هذا العلم الاجمالي على تقدير كونه في الازرق هو بقاء للتكليف المعلوم من الاول، وعلى تقدير كونه في الثوب فهو علم بتكليف حادث، لانه علم باجتنب الملاقي والعلم باجتنب الملاقي ليس علم باجتنب الملاقى. فهناك تكليفيان: تكليف بالملاقى وتكليف في الملاقي، فهذا العلم وان كان على احد الفرضين علما بالبقاء ولكنه على الفرض الاخر علما بالحدوث وبالتالي فهو علم بتكليف فعلي على كل تقدير فهو منجز.

فإن قلت: إذا علمنا اجمالاً بوقوع قطرة دم إما في الإناء الابيض أو الإناء الازرق، ثم وقعت قطرة دم اخرى إما في الازرق أو في الاحمر. يقول المحقق النائيني هنا هل يوجد لديكم علم بتكليف _بالنسبة الى العلم الثاني_؟

يقول لا يوجد، لان احد الاحتمالات أن تكون قطرة الدم الثانية وقعت فيما وقعت فيه قطرة الدم الاولى، على فرض وقعت فيما وقعت فيه قطرة الدم الأولى لم يحدث علم بتكليفين، لان وقوع قطرة ثانية في نفس المكان لا يحدث تكليفا ثانيا فيه، فعلى فرض ان قطرة الدم الاولى وقعت في الأبيض هذا علم بتكليف. وعلى فرض تقدير ان قطرة الدم الثانية وقعت في الاحمر هذا ايضا علم بتكليف. لكن على تقدير ان قطرة الدم الاولى وقعت في الازرق وعلى تقدير ان قطرة الدم الثانية وقعت في الازرق لم يحدث تكليف، فمع وجود هذا الاحتمال بين الاحتمالات الثلاثة لم نحرز علما بتكليف، ليس لدينا الان علم بتكليف، فمقتضى ذلك ان لا يكون العلم الاجمالي الثاني منجزاً لانه ليس علما بتكليف.

ففرع عليه المحقق النائيني محل الكلام: وهو ان علمنا بنجاسة الملاقي وهو الثوب أو نجاسة الطرف الاخر وهو الإناء الازرق ليس علما بتكليف.

لكن يوجد فرق واضح بين المثالين والموردين، بيان ذلك: انه في المثال الذي طرحه «قده» وهو: ان نعلم بقطرة دم في الابيض أو الازرق وقطرة أخرى في الازرق أو الاحمر فلا يوجد علم بتكليف بالنسبة الى العلم الثاني، هذا الكلام متين. لان من احد المحتملات احتمال اجتماع السببين في طرف واحد وهو الطرف المشترك، ومتى ما اجتمع السببان في طرف واحد لم يحرز علم بتكليف.

اما في محل كلامنا وهي مسألة الملاقاة، ليس عندنا هذا الاحتمال وهو احتمال وقوع السببين في طرف واحد بحيث لا نحرز علما بتكليف فعلي لانه إذا علمنا بنجاسة الابيض أو الازرق ثم لاقى الثوب الإناء الابيض فعلمنا اما بنجاسة الثوب أو الإناء الازرق، فنقول:

بالنسبة الى العلم الثاني: على تقدير ان النجاسة في الازرق فهذا بقاء للتكليف السابق وليس من اجتماع سببين في موقع واحد وانما هو نفس السابق، وعلى تقدير ان النجاسة في الابيض فهناك سببان لتكليفين في طرفين لا طرف واحد، السبب الاول: نجاسة الابيض ابتداء وهذا ينشأ تكليفا باجتنابه. السبب الثاني: ملاقاة المتنجس، ملاقاة المتنجس سبب آخر للنجاسة، وهذا سبب لتكليف جديد باجتناب الملاقي. فعلى احد الفرضين بقاء، لكن على الفرض الاخر هناك سببين لتكليفين في طرفين، بخلاف المثال الذي مثل به: بأن علمنا بوقوع قطرة دم في الابيض أو الازرق ثم علمنا بوقوع قطرة دم اخرى في الازرق أو الاحمر فهناك احتمال ان وقعت كلتا الطرفين في طرف واحد، واجتماع سببين للنجاسة في طرف واحد لا يحدث تكليفين. إنما يبقى تكليف واحد، فهذا الاحتمال موجود في المثال ليس موجوداً في محل الكلام. فبما انه ليس في محل الكلام إذن لدينا علم بتكليف فعلي وهو اما في الازرق غايته انه بقاء للتكليف الثاني أو في الثوب فانه علم بتكليف جديد وهو اجتنب ملاقي النجس وهذا غير اجتنب النجس نفسه.

الملاحظة الثالثة: لو سلمنا بكلامه «قده» في السبق الزماني كما مثل بالنسبة لقطرة الدم، كيف نسلم ذلك في الزمن الرتبي؟ ربما يكون سبق المعلوم زمانا مانع من المنجزية. فاذا علمنا بوقوع قطرة دم في الابيض والازرق وعلمنا بوقوع قطرة دم في الازرق أو الاحمر من الاول قبل القطرة السابقة. إذن العلم الاول مسبوق آخر، ربما يقال بأن سبق المعلوم زمانا مانع من المنجزية، واما السبق الرتبي فلا ضائرية فيه للعلم بحدوث تكليف، إذ مناط المنجزية ان تعلم اجمالاً بحدوث تكليف وان كان على احد الفرضين سيكون بقاء، لكنه على الفرض الاخر حدوث، المناط في المنجزية ان تعلم بحدوث تكليف علما اجماليا، هذا المناط لا يضر به السبق الرتبي لأحد الطرفين سواء كان سبقا للعلم كما هو مبنى العراقي أو سبقا للمعلوم كما هو مبنى الشيخ الاعظم والمحقق النائيني «قدس سرهما». مثلا: لو علم اجمالا يوم الجمعة اما بوجوب الظهر تعيينا أو وجوب صلاة الجمعة تعيينا، لكن على فرض وجوب صلاة الجمعة تعيينا فيجب غسل الجمعة، فالعلم الثاني متولد من الاول، فيعلم بالنتيجة اجمالا اما بوجوب الظهر أو وجوب غسل الجمعة، فهل يضر بمنجزية هذا العلم ن العلم الثاني متأخر رتبة عن الاول؟، إذ ما دام المناط في المنجزية العلم بحدوث، فانا اعلم الان اما بحدوث تكليف أو بوجوب غسل الجمعة، أو بقاء التكليف الاول في صلاة الظهر.

او كان المعلوم متاخر رتبة «مثال لتأخر العلم رتبة»: كما لو علمت اجمالا بأنني نذرت لله أما الصوم يوم الجمعة أو زيارة سيد الشهداء وعلى فرض ان المنذور زيادة سيد الشهداء فيجب علي صلاة ركعتي الزيارة بعد الصلاة، هذا المعلوم متأخر رتبة عن المعلوم الاول. كذلك يصح ان يقال: بالنتيجة انا اعلم اجمالا اما بوجوب الصوم أو بوجوب صلاة الزيارة، وهذا علم بتكليف فعلي على تقدير.

وبذلك تظهر المناقشة في المثال الذي ذكره بعض الاعلام وهو: إذا علم المكلف اجمالا اما بفوت العصر أو بفوت المغرب ثم علم اما بفوت الظهر أو فوت المغرب، لكن على تقدير فوت الظهر فقد فاتت العصر، لأنه قصد الإقامة فصلى الظهر تماما ثم عدل عن الاقامة فصلى العصر تماما لانه كل مان صلى رباعية ثم عدل عن قصد الاقامة ثم علم ببطلان الظهر، فإنه إذا علم ببطلان الظهر بطلت العصر إذ تبين انه لم يصل تماما وهو قاصد للاقامة، فاذا علم المكلف انه اما العصر باطلة أو المغرب، ثم علم اما الظهر باطلة أو المغرب، لكن ان بطلت الظهر بطلت العصر في مثل هذا الفرض. فهنا يوجد تأخر رتبي للمعلوم في العلم الاول وهو بطلان العصر، فإن بطلان العصر الذي هو معلوم بعلم اجمالي اول متأخر رتبة عن بطلان الظهر الذي هو معلوم بعلم اجمالي ثاني الا ان هذا لا يمنع من المنجزية، بأن نقول بالنتيجة انا اعلم إجمالاً بعلم تكليفي فعلي وهو العلم اما بقضاء العصر أو بقضاء المغرب وان كان هذا المعلوم على فرض انه في العصر فهو متاخر رتبة عن المعلوم بالعلم الاخر. إلّا أنّ هذا لا يمنع من التنجز ما دام علما بتكليف فعلي فتتعارض قاعدة الفراغ في الجميع فيجب قضاء العصر كما يجب قضاء الظهر والمغرب.

وبذلك تبينت المناقشة فيما ذكره سيد المنتقى «قده» حيث قال: إذا علمنا اجمالا بنجاسة الابيض أو الازرق ثم علمنا بملاقاة الثوب للابيض، فيقول هناك تكليف متيقن وهو النجاسة بين الابيض والازرق، واما التكليف في الملاقي وهو الثوب فهو مشكوك، اذن هو مجرى للبراءة.

فالجواب خصوصا على مبناه لانه يرى ان العلم الاجمالي علة للمنجزية إثباتا بانصراف ادلة الاصول عن موارد العلم الاجمالي. فيقال على مبناه: مجرد ان النجاسة الملاقي متفرعة على نجاسة الملاقى، إذ لولا العلم بنجاسة الملاقى اجمالا لما علم بنجاسة الملاقي أو الطرف الاخر لا ينفي ان العلم الثاني وهو العلم بنجاسة الثوب أو الازرق منجز لا ينفي منجزيته، لأنه بالنتيجة علم بتكليف فعلي حادث في الثوب أو باقي في الإناء الازرق.

الملاحظة الرابعة: ما ذكرها بعض الاعلام وهي محل تأمل: إن المحقق النائيني افاد بانه إذا علم اجمالا بنجاسة إناء الجار أو نجاسة إناء البيت، هذا العلم الاجمالي ليس منجزا لان احد طرفيه خارج عن محل الابتلاء وهو إناء الجار، وعلمنا بملاقاة ثوبنا لاناء الجار، هذا العلم الثاني منجز لان كلا طرفيه داخل في محل الابتلاء، الثوب واناء البيت، فاذا دخل إناء الجار في محل الابتلاء بأن سمع الجار انني علمت بنجاسة اما بنجاسة ثوبي أو اناءي فجاء بإناءي الي، اصبح داخلا في محل ابتلاءك. فيقول المحقق النائيني: بعد ان اتى الجار بالاناء بين يديه، اصبح لديك علم اجمالي بنجاسة إناءي أو إناءك كلا الطرفين داخل في محل الابتلاء، فهنا ذكر المحقق النائيني بأن العلم الآن ازال اثر العلم السابق وهو العلم بنجاسة الثوب أو إناء البيت، فانحل هذا عن المنجزية واصبح المنجز هو العلم بنجاسة إناء جاري أو إناء البيت.

اشكل عليه بعض الاعلام: ما هو متقدم رتبة ليس منجزاً، وما هو المنجز ليس متقدم رتبة. فإن ما هو متقدم رتبة العلم بنجاسة إناء الجار يوم كان في بيت الجار، بعبارة اخرى: ما هو متقدم رتبة العلم بحدوث نجاسة في إناء الجار أو إناء البيت وهذا العلم وان كان متقدم رتبة على العلم بنجاسىة الثوب أو إناء البيت الا انه غير منجز لانه احد طرفيه خارج عن محل الابتلاء، ولكن بعد ان جاء الجار بالاناء ووضعه بين يدي الان العلم الجديد ليس علما بالحدوث بل هو علم بالبقاء، اعلم ببقاء النجاسة اما في إناء الجار واما في انائي، وهذا العلم هو المنجز وهذا العلم ليس متقدما رتبة على العلم بنجاسة ثوبي أو إناءي.

إذن بالنتيجة: ما هو المتقدم رتبة على العلم بنجاسة الثوب أو إناء البيت هو العلم بالحدوث لكن العلم بالحدوث ليس منجزاً لان احد طرفيه خارج عن محل الابتلاء. وما هو المنجز الآن وهو العلم اما بنجاسة إناء جاري أو نجاسة انائي هذا علم بالبقاء، ببقاء النجاستين على ما كانا، وهذا العلم ليس متقدم رتبة على العلم بنجاسة الثوب أو الاناء. اذن العلمان سيتنجزان معاً «العلم ببقاء النجاسة في إناء الجار أو انائي والعلم بنجاسة ثوبي أو نجاسة انائي». لكن هذا المشكل قارن بين العلمين لا بين المعلومين، ومحط كلام النائيني في المعلومين.

فالمحقق النائيني قارن بين المعلومين لا بين العلمين، فقال: المعلوم الثاني متأخر رتبة عن الأول، يعني نجاسة الثوب بمقتضى الملاقاة متأخرة رتبة عن نجاسة إناء الجار، هذا سواء كان علم بالبقاء أو علم بالحدوث، النتيجة متأخرة رتبة عنها، فإذا لاحظنا نجاسة الملاقي ونجاسة الملاقى، لا محالة نجاسة الملاقي متأخرة رتبة، وان كان العلم بالحدوث هو المتقدم رتبة عن نجاسة الملاقي أو الطرف الاخر، فالمقارنة بين العلمين غير المقارنة بين العلمين. فتأمل والتفت.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 66
الدرس 68