نص الشريط
الدرس 71
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 26/4/1437 هـ
تعريف: انحلال العلم الإجمالي
مرات العرض: 1819
المدة: 00:32:23
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (225) حجم الملف: 14.8 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

ما زال الكلام في الوجه الذي أفاده السيّد الشهيد «قده» في إثبات منجزية العلم الإجمالي في ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة. وفي المقام عدّة تعليقات على كلامه:

التعليقة الأولى: وهي مبنائية، فيبتني بيانها على مقدمتين:

المقدمة الأولى: أنه أُفيد في كلمات سيدنا «قده» وكلمات السيد الشهيد «قده» من أنّ الحرمة التكليفية أو الوضعية فعلية قبل فعلية موضوعاها. هذا محل تأمل.

أمّا بالنسبة للحرمة التكليفية: كحرمة شرب الخمر مثلا أو حرمة شرب النجس مثلاً، فلأن المفروض ان الحرمة التكليفية متقومة بالزجر، والزجر فرع إمكان الفعل، كما ذكر في الوجوب أيضاً، حيث قيل بأن الوجوب لا يعقل ان يكون فعليا قبل فعلية الموضوع، كوجوب الصلاة قبل دخول الوقت، أو وجوب الحج قبل حصول الاستطاعة. والسر في ذلك:

أن الوجوب متقوم بالبعث، والبعث فرع امكان الترك، إذ لو لم يكن الترك ممكناً لما امكن البعث الجدي الفعلي، كذلك الحرمة متقومة بالزجر الجدي، والزجر الفعلي الجدي فرع امكان الفعل، فإذا لم يكن الفعل ممكناً لم يكن الزجر زجراً جديّاً، وبالتالي فحيث مع عدم الموضوع كما إذا افترضنا ان لا خمر في الخارج أو لا نجس في الخارج، فحينئذٍ لا يمكن للمكلف أن يشرب النجس أو ان يشرب الخمر، فإذا لم يمكن الفعل لم يكن الزجر زجرا جديا فعليا، الحرمة ليست فعلية قبل فعلية موضوعها.

وأمّا ما أُفيد في كلمات «مصباح الاصول»: من أنه يكفي في عدم فعلية الحرمة ان المكلف وان لم يتمكن من شرب الخمر لأجل عدم وجود خمر، أو لم يتمكن من الزنا لأجل عدم وجود امرأة فإنه يكفي في فعلية الحرمة في حقه زجر نفسه وكف نفسه عن المعصية، والا لو كان امتناعه عن المعصية لعجزه أو لعدم وجود الموضوع لم يكن ذلك مصداقا للمطيع المستقيم.

وهذا الكلام يلاحظ عليه: أنه هناك ادلة دلت على مطلوبية الاستقامة، وهذه الأدلة كما ذكر «قده» في بحث العدالة: بأن هذه الأدلة كقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَْ دالة على مطلوبية الاستقامة العلمية المتفرعة على الاستقامة النفسية، حيث لا يصدق عنوان الاستقامة على من ترك المحرّم، ولو كان تركه للمحرّم لأجل عجزه أو امتناعه، فإن هذا لا يصدق عليه انه مستقيم، فما دلَّ على مطلوبية الاستقامة دالٌّ على مطلوبية الاستقامة العمليّة عن استقامة نفسية، وبالتالي فلأجل وجود هذه الادلة قلنا: بأن المطلوب من العجز ان يكون بانياً على ترك المعصية حتى على فرض ترك موضوعها، فهو عازم على ترك المعصية وإن وجد موضوعها، وهذا العزم مطلوب للأدلة الدالة مطولبية الاستقامة سواء استفدنا منها الوجوب أو الندب على البحث في محله. فإذن هذه الثمرة لا تترتب على فعلية الحرمة، فسواء قلنا بأن حرمة شرب النجس فعلية قبل وجوب النجس أو ليست فعلية، على أية حال بما ان هناك ادلة دالة على مطلوبية الاستقامة، فمقتضى ذلك أن يبني على فعل الطّاعة وترك المعصية وإن وجد موضوعها. هذا أمر لا يترتب على فعلية الحرمة لأنه مترتب حتى على عدم فعلية القول بعدم فعلية الحرمة، بل يكفي في تعدد عنوان الاستقامة العزم التعليقي، ولا حاجة إلى العزم الفعلي. إذ يكفي في كونه مطيعاً مستقيماً عزمه على ترك المعصية ان وجد موضوعها، أو عزمه على فعل الطاعة ان وجد موضوعه، ولا حاجة إلى العزم التنجيزي، إذن لا يترتب على فعلية الحرمة في حقه قبل فعلية الموضوع أثر، بل ليس البحث في اللغوية وعدم اللغوية كي ننفي ذلك بوجود الاثر أو عدمه، بل المدعى انه لا يعقل فعلية الحرمة قبل فعلية موضوعها، لأن فعلية الحرمة منوطة بالزجر الفعلي، والزجر الفعلي مع عدم امكان الفعل غير معقول، كالبعث الفعلي مع عدم امكان الترك، وبالتالي فبمجرد ان يطلب من انه يطلب منه أن يعزم على فعل الطاعة وترك المعصية ولو عزماً تعليقياً لا أثر له في البين. أي لا ينقح معقولية فعلية التكليف قبل فعلية موضوعه.

وأما بالنسبة للحرمة الوضعية: كمانعية نجاسة الوضوء من صحة الوضوء به، أو مانعية نجاسة الثوب من الصلاة فيه وما أشبه ذلك من موارد المانعية. فيقال: أنه هل أن نجاسة الثوب تصبح فعلية قبل فعلية الثوب؟ وهل أن نجاسة الدم تصبح فعلية قبل وجود دم في الخارج؟

الجوب: لا، فإذا كانت نجاسة الدم لا فعلية لها قبل فعلية موضوعها فكيف تكون مانعية النجاسة فعلية قبل فعلية النجاسة؟ بأن نلتزم بالتفكيك، ونقول: الدم مانع من صحة الصلاة _إذا كان اكثر من درهمين_ وهذه المانعية لا تتوقف على وجود الدم بينما نجاسة الدم نفسه التي هي موضوع المانعية تتوقف على وجود الدم، إذ لا يتصف الدم بفعلية النجاسة قبل وجوده، الا أن مانعيته من صحة الصلاة تحصل قبل وجوده، فيقال الدم مانع من صحة الصلاة. إذن لا معنى للتفكيك، فكما أن نسبة النجاسة للحكم نسبة الحكم لموضوعه، كذلك نسبة المانعية للنجاسة نسبة لحكم لموضوعه، فكما لا لا فعلية للنجاسة قبل وجوب الدم، لا فعلية لمانعية نجاسة الدم قبل وجود دم، فلا فرق بين المطلبين من هذه الجهة ولا معنى للتفكيك بين الأمرين من هذه الجهة، فلا فعلية للحرمة تكليفية أو وضعية قبل فعلية موضوعها.

المقدمة الثانية: هناك فرق بين الصدق وبين الانحلال الفعلي. بيان ذلك:

أفاد السيد الشهيد «قده» بأنه: إذا دخل الوقت على المكلف وجبت عليه الصلاة بالفعلي، فالوجوب فعلي، وبما ان الوجوب فعلي فالواجب أيضاً فعلي في حقه، وبما ان الواجب مشروط بشروط وجوديه كالاطمئنان، وشروط عدمية كعدم كون الساتر نجسا، فلا محالة يجب فعلاً صلاة مقيّدة فعلاً بالقيد الوجودي وهو الاطمئنان، والقيد العدمي وهو عدم نجاسة الساتر. إذن فالتقيد «تقيد الصلاة» بعدم نجاسة الساتر تقيّد بالفعل، إذ يجب عليك بالفعل صلاة متقيدة بالفعل بعدم كون الساتر نجساً، وهذا يعني ان التقيد فعلي وإن لم يوجد نجس في الخارج، فلنفترض ان لا نجس في الخارج البتة، مع ذلك تجب عليك صلاة متقيدة بالفعل بعدم ساتر نجس، فالتقيّد فعلي وإن لم يكن الساتر النجس موجوداً، وهذا معنى أنّ المانعية فعلية، وهذا معنى أن الحرمة الوضعية فعلية.

والجواب عن ذلك: فرق بين الصدق وبين الانحلال، بمعنى: انه يطلب من المكلف ان يصلي صلاة متصفة بأنها واجدة للاطمئنان خالية من نجاسة الساتر، ومن الواضح ان الوصف يصدق وإن لم يوجد وصف في الخارج، ومن الواضح ان القيود العدمية تصدق حتى على فرض السالبة بانتفاء الموضوع، إذ ما دام القيد عدمياً فإنه يصدق حتى مع انتفاء الموضوع، حتى مع انتفاء طرفه، إذ يصدق على الصلاة التي اوجدها المكلف انها صلاة خالية من ساتر النجس وإن لم يوجد نجس في الخارج. ففعلية الصدق لا لأن الحرمة الوضعية انحلالية بالفعل قبل وجود الفرد بل لأن القيّد قيّد عدمي، والقيد العدمي يصدق حتى على نحو السالبة بانتفاء الموضوع، ولذلك لو صلى المكلف غافلا عن هذا القيد نهائيا فإن صلاته صحيحة، إذ يصدق على انه صلى بدون ساتر نجس وان لم يكن متلفتا إلى هذا القيد اطلاقا.

فإذن هناك صدق بمعنى القيد قيد عدمي، ولكن هل هناك انحلال؟ بمعنى: هل يتصف الثوب النج بكونه مانعا قبل وجوده فيقال: الثوب النجس في عقل جبرائيل مانع من صحة الصلاة وإن لم يوجد نجس في الخارج، فإن معنى الانحلالية هو هذا، إذ معنى الانحلالية هو اتصاف الفرد بالمانعية أو الحرمة الوضعية بما هو مصداق لموضوع الحرمة، فهل يتصف الثوب النجس مانعا قبل وجوده؟. إن قلنا باتصافه إذن يتصف أيضاً قبل وجوده، إذ أي فرق بين نجاسة الثوب وبين مانعية نجاسته مع ان نسبة كل منهما للآخر نسبة الحكم لموضوعه. فالانحلالية قبل وجود الفرد غير تامة، وان صدق التقيد بلحاظ كونه تقيدا عدمياً.

فإن قلت _كما في بعض كلمات كلامته مقرر بحثه_: أي فرق بين حرمة الكذب ومانعية الوضوء بالماء النجس؟ فإذا قال المولى: يحرم الكذب، أليست هذه الحرمة انحلالية وان لم يوجد الكذب، بمعنى انه عندما يقول الشارع: يحرم الكذب فيوجد مكلف قادر على ان يكون كذاب، فبمجرد ان يوجد المكلف هناك حرمة فعلية للكذب وانحلالية أيضاً، أي ان هذه الحرمة تنحل إلى حرامات عديدة بعدد ما يتصور من افراد الكذب، فيقال: ايها المكلف يحرم عليك كل ما لو وجد لكان كذبا، فهو حرام عليك من الآن. فالحرمة فعلية وانحلالية من الآن. إذن كما يتصور انحلالية الحرمة التكليفية بالنسبة إلى الكذب قبل وجوده، كذلك مانعية الوضوء بالماء النجس كذلك، فإن المولى عندما يقول لك: صل عن وضوء، فكأنه قال لك: يحرم عليك وضعاً التوضأ بكل ما لو وجد لكان ماء نجساً من الآن، فالحرمة الوضعية فعلية وإن لم يوجد ماء نجس في الخارج، فالمولى يقول لك: يحرم عليكم وضعاً أن تتوضأ لصلاتك بكل ماء نجس، يعني بكل ما لو وجد لكان ماء نجسا، نظير ما ذكره الاعلام بالنسبة إلى ما ذكره في صوم شهر رمضان، حيث قالوا بأن الصوم فعلية منذ أول غروب من شهر رمضان، فمن الآن يجب عليك من أو غروب من شهر رمضان ان تصوم هذا الشهر كله. فالوجوب فعلي وان كان الواجب استقبالياً. هنا أيضاً يحرم عليك الكذب وان كان المحرم استقباليا، ويحرم عليك ويحرك عليك وضعا الوضوء من الماء النجس وان كان المحرم استقبالياً.

والجواب عن ذلك: أما بالنسبة إلى مثال الكذب، فواضح انه لا ربط له في محل كلامنا. لأن نسبة الحرمة للكذب نسبة الحكم لمتعلقه، وبحثنا الآن نسبة الحكم لموضوعه، إذ من الواضح ان الحرمة سابقة على متعلقها كسبق الوجوب على متعلقه. إذ ما دم الغرض من الحرمة الزجر عن المتعلق فمقتضى ذلك ان تكون الحرمة سابقة على متعلقها رتبة.

فكان المناسب أن يمثّل المقرر بمانعية الضحك والبكاء في الصلاة، حيث يقال: بأن مانعية القهقهة من الصلاة من باب نسبة الحكم لموضوعه، القهقهة مانع من صحة الصلاة، وبما أنّها من باب نسبة الحكم لموضوعه فإننا نتصور الانحلالية فيها، أي نتصور ان المولى يقول: يحرم عليك وضعاً في هذه الصلاة ان يتلبس فمك بكل قهقهة، أي بكل ما لو وجد لكان قهقهة فإنه يحرم وضعاً تلبس فمك بذلك. فالحرمة الوضعية انحلالية قبل وجود أي ضحك في الخارج، بل لابد ان تكون قبل وجود أي ضحك في الخارج.

الجواب عن ذلك: انه تارة نتحدث عن الحرمة التكليفية: كما لو سلمنا بمبنى المشهور: من انه يحرم تكليفا قطع الصلاة، فيحرم القهقهة في الصلاة لأنها قطع، وبالتالي فنسبة الحرمة للقهقهة نسبة الحكم لمتعلقه لا نسبة الحكم لموضوعه، إذ المفروض ان الحرمة تكليفية.

وتارة يكون نظرنا للحرمة الوضعية: فنسأل: هل المقصود بالفعلية في كلامكم، فعلية صدق؟ بمعنى أنه لو صلى صلاة خالية من الضحك لكان تقيد الصلاة الصلاة بعدم الضحك فعليا؟!، هذا كلام فيه، الصدق في القيود العدمية حاصل وإن لم يتحقق طرفها لأن السالبة تصدق حتى مع انتفاء الموضوع.

وأما إذا كان مقصودكم بالفعلية الانحلال، بمعنى: اتصاف القهقهة بالمانعية قبل وجودها، فكل قهقهة تتصف بالمانعية وإن لم توجد خارجا فلا، هذا أول الكلام، تغيير الامثلة لا يغير من البحث شيئاً. إذن فبالنتيجة: دعوى ان هناك انحلالا للحرمة أو انحلالا للحكم بالفعل قبل وجود الموضوع ممنوعة، فلذلك العلم الاجمالي بنجاسة أحد الدرهمين ليس علماً اجماليا بتكليف فعلي باجتناب الملاقي لأحدهما قبل الملاقاة، إذ ما لا لم تحصل الملاقاة فلا تكليف فعلي وإن كان هناك علم اجمالي، إذ أعلم اجمالاً بنجاسة الملاقي لأي منهما، يعني لو كان هناك ملاقيان لهما فأنا أعلم بنجاسة أحد الملاقيين كما أعلم بنجاسة أحد الدرهمين، غاية ما في الأمر العلم بأحد الدرهمين علم بنجاسة فعلية والعلم بنجاسة أحد الملاقيين علم بنجاسة تعليقية تقديرية، لأنه ليس علم اجمالي بتكليف فعلي. وأما أنني مطلوب في هذه الصلاة على فرض ان الملاقي ثوب. في علم جبرئيل ان يحصل ملاقي لأحد الدرهمين ويكون هذا الملاقي ثوباً. أو في علم جبرئيل سيحصل ملاقي لأحد الدرهم ويكون الملاقي ماء. فأنا أعلم من الآن ان الصلاة الصحيحة هي الصلاة الخالية عن ملاقي احدهم على فرض الملاقاة. فإن هذا العلم الاجمالي ليس منجزاً قبل الملاقاة.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس 70
الدرس 72