نص الشريط
أصالة الصحة | الدرس 19
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 15/9/1437 هـ
مرات العرض: 1810
المدة: 00:26:13
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (583) حجم الملف: 6 MB
تشغيل:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين

ذكرنا فيما سبق عند التعرض لتفصيل سيدنا الخوئي «قده» في جريان اصالة الصحة بأنه:

إن كان الشك في القابلية، اي في قابلية المتعاقدين أو قابلية المورد اي العوضين عرفاً أو شرعاً لم تجر أصالة الصحة، وأما اذا كان الشك في الفعلية بأن شك في شروط العقد نفسه جرت أصالة الصحة فيه، وذكرنا أن كلامه صار مورداً لعدة إشكالات سبق الكلام في الإشكالات الثلاثة التي طرحها سيد المنتقى «قده»، وذكرنا ان إشكاله الأول صحيح وارد على السيد الخوئي، وإنما الكلام في الإشكال الثاني حيث أفاد في الإشكال الثاني:

أن استناد العقد أو الإيقاع الى المالك مأخوذ في موضوع أصالة الصحة لأن مفاد أصالة الصحة مفاد «أوفوا بالعقود» وظاهر انه قد أخذ في موضوع الوفاء استناد العقد الى المالك، لظهور الكلام في ذلك عرفاً بحيث لا يكون ما يدل على عدم نفوذ بيع غير المالك مخصصا لعموم «أوفوا بالعقود».

وقلنا سابقا: ان في كلامه إشكالات ثلاثة:

الإشكال الاول: في المقيس عليه وهو «أوفوا بالعقود» فإنه اذا بنينا على ان «أوفوا بالعقود» أمر مولوي خوطب به المتعاقدان، فحينئذٍ يقال مناسبة الحكم للموضوع ان موضوع أوفوا عقدوكم اي العقود المنتسبة اليكم، أو بمقتضى احتفاف الآية بالاستهجان العرفي لإيجاب الوفاء بعقد الأجنبي يتنقح للآية ظهور في أن موضوع وجوب الوفاء هو العقد المستند الى المالك. وأما اذا قلنا بأن مفاد «أوفوا بالعقود» الإرشاد الى النفوذ، أو الإرشاد الى اللزوم فلا موجب لدعوى تقيد «أوفوا بالعقود» بالاستناد الى المالك بل مفادها ان كل عقد نافذ أو كل عقد لازم، نعم بعد تخصيصها بما دل على عدم نفوذ البيع من غير المالك نحو: «لا بيع الا في ملك» أو «لا يحل لأحد ان يتصرف في مال غيره الا بطيب بإذنه» استفدنا بعد التخصيص ان موضوع «أوفوا بالعقود» هو العقد المنتسب الى المالك. لكن هذا بعد التخصيص فلا يتم قوله بحيث لا يكون ما يدل على عدم نفوذ بيع غير المالك مخصصا لموضوع «أوفوا بالعقود» بل يكون مخصصاً، وإنما لا يكون ما يدل على عدم نفوذ بيع غير المالك مخصصا اذا قلنا بأن مفاد «أوفوا بالعقود» أمر مولوي.

وأما اذا قلنا بأن مفادها ارشاد الى الصحة أو اللزوم كان ما دل على عدم نفوذ بيع غير المالك مخصصا.

هذا هو الإشكال الاول وهو الاشكال على الفقرة الثانية من كلامه، فإنها إنما تنطبق على فرض ان مفاد «أوفوا بالعقود» أمر مولوي لا ما اذا قلنا أن مفادها أمر إرشادي.

الإشكال الثاني: لا موجب لدعوى تقييد موضوع أصالة الصحة بإحراز الاستناد الى المالك، فإن اصالة الصحة أصل ظاهري موضوعه الشك في صحة العقد، وأما أنه أخذ في إجراء هذا الاصل الظاهر مضافاً الى الشك في الصحة إحراز استناد العقد الى المالك أو الموقع فهذا مما لا شاهد عليه والسيرة العقلائية قائمة على ما هو الأوسع من ذلك.

الإشكال الثالث: انه قال: فعدم جريان اصالة الصحة انما هو لأجل عدم احراز موضوعها وهو العقد المستند الى المالك لا من جهة قيام السيرة على عدم جريانها عند الشك في القابلية.

فكأنه يقول: حتى لو بنينا على أن اصالة الصحة تجري عند الشك في القابلية خلافاً للسيد الخوئي «قده» مع ذلك لا نقول في المقام بجريانها عند الشك بحصول عقد عند المالك، فإننا اذا شككنا ان المالك هل وكل البائع أم لم يوكله، أو شككنا ان الزوج وكل المطلق أم لم يوكله فحينئذٍ حتى لو قلنا السيرة العقلائية قائمة على اجراء اصالة الصحة عند الشك في القابلية لم نقل بجريانها في المقام لأخذ استناد العقد الى المالك أو استناد الإيقاع الى الزوج لأخذه في موضوع اصالة الصحة.

وهذا محل إشكال باعتبار انه لو بنينا على ان سيرة العقلاء عامة وقائمة على اجراء اصالة الصحة عند الشك في القابلية اي قابلية العاقد لإجراء العقد من حيث كونه عاقلا أم لا رشيدا أم لا بالغاً أم لا؟ فحينئذٍ لا يتصور ضيق في السيرة العقلائية بالنسبة للمالك، يعني اذا سلم جريان سيرة العقلاء على ترتيب آثار الصحة عند الشك في العقل أو الشك في الرشد أو الشك في البلوغ مما هو في موارد الشك في قابلية العاقد للعقد لم يحرز، فإذا بنينا على جريانها في هذه الموارد فلا يحتمل ضيق جريانها بالنسبة الى ما اذا وقع الشك في المالكية، فهل تجري مع الشك في العقل أو الرشد ولكنها لا تجري مع الشك في الملك والولاية؟

لا يحتمل انها تجري في الفرضين الأولين ولا تجري في الأخيرين، باعتبار أن النكتة واحدة، فإن نكتة جريانها عند الشك في العقل أو الرشد أو البلوغ هي النكتة في جريانها عند الشك في المالكية أو الولاية سواء قلنا بأن أصالة الصحة امارة أو قلنا بأنها أصل نظامي، فكلتا النكتتين وهما الأمارية لأجل الغلبة أو اقتضاء حفظ النظام لجريانها يشملان مورد ما اذا وقع الشك في المالكية أو الولاية. هذا بالنسبة للإشكال الثاني الذي اشكل به سيد المنتقى وما يرد عليه.

الإشكال الثالث الذي افاده سيد المنتقى: قال ان حصول الاثر وترتبه في المثالين، وهما مثال ما اذا انكر مالك العين انه وكّل البائع، أو انكر الزوج انه وكّل المطلق. يتوقف على احراز المالك أو الزوج استناد المعاملة اليه لا من جهة كون الاستناد مأخوذاً في موضوع النفوذ بل من جهة ان المالك انما يجب عليه تسليم الدار للمشتري اذا صدر منه العقد، وهكذا الزوج، وأصالة الصحة في العقد الواقع لا تثبت خصوصية استناد العقد الى المالك كي يجب على المالك ترتيب الآثار بل هي اجنبية.

وبالجملة، عدم جريان اصالة الصحة في المثالين ليس لأجل قيام السيرة على عدم ترتيب الآثار عند الشك في القابلية بل هو من اجل خصوصية في المقام.

وقلنا إن كلامه في هذا الاشكال مورد للتامل، والسر في ذلك:

اننا تارة نلحظ الأثر بالنسبة الى المالك والزوج، وتارة نلحظ الأثر بالنسبة لشخص ثالث اجنبي عن المعاملة أو اجنبي عن طرفي الايقاع، فإن لاحظنا الاثر بالنسبة الى المالك والزوج فربما يرد كلامه من ان المالك لو شك انه وكل زيداً في بيع داره أم لم يوكله فإجرائه لأصالة الصحة في بيع زيد لا يثبت استناد العقد اليه اي لا يثبت الوكالة، وكذا اذا شك الزوج بأن المطلق هل هو وكيل من قبله أم لا؟ فإجراء اصالة الصحة في طلاقه لا يثبت استناد الطلاق اليه. اي لا يثبت حصول الوكالة.

ولكن اذا لاحظنا الاثر بالنسبة الى الاجنبي كما لو اطلع اجنبي على ان زيدا باع دار عمر والدار قد انتقلت الى المشتري ولا يدري هل ان زيدا كان وكيلا عن عمر أم لا؟ بحيث يصح له ان يشتري الدار من المشتري أو يتصرف فيها مثلاً تصرفا اعتباريا أو تصرفا حسياً بإذن من المشتري أم لا؟

فحينئذٍ لا مانع من اجراء اصالة الصحة لترتيب الاثر بالنسبة للاجنبي عن العقد. وكذلك بالنسبة الى الطلاق، لو أراد شخص ثالث ان يتزوج هذه المطلقة فلا مانع ان يرتب اثر البينونة ويتزوج المطلقة بعد انقضاء العدة بناء على اجراء اصالة الصحة في الطلاق، فهناك فرق بين ملاحظة الاثر بالنسبة الى المتعاقدين الموكل والوكيل وترتيب الاثر بالنسبة الى الطرف الاجنبي عن العقد أو الايقاع.

وهنا مجموعة من الإشكالات أيضاً ذكرها السيد الأستاذ «دام ظله».

الإشكال الرابع: ما ذكره السيد الأستاذ «دام ظله» حيث ورد في التقرير: وفيه انه صحيح ان العقلاء لا يقدمون على مثل هذه المعاملة الا انه خارج عن محل كلامنا، اذ مورد الكلام هو ما اذا صدر عقد وتحقق بيع في الخارج وشككنا في أنه هل كان مستجمعا للشرائط أم لا؟

وهذا اشكال من على المثال الاول الذي ذكره سيدنا الخوئي «قده» وهو انه اذا باع زيد دار عمر ولا ندري هل وكله عمر في البيع أم لا؟ فهل تجري اصالة الصحة أم لا؟

فقال: بان اصالة الصحة في البيع فرع وجود بيع، فمع الشك في وجود بيع فكيف تجري اصالة الصحة مع الشك في وجود البيع؟

الجواب عن ذلك: انه لوكان المنظور هو البيع الصادر اي البيع الإنشائي الصادر من زيد فهناك بيع، وهذا البيع مشكوك الصحة والفساد، فهو مجرى لاصالة الصحة، وإن كان المنظور البيع الفعلي الصادر من الموكل وهو عمر الذي يرجع الشك فيه الى الشك في حصول الوكالة وعدمها؟ فيأتي فيه الكلام الذي اشكلنا به على مناقشة سيد المنتقى «قده».

الإشكال الخامس: ما أورده أيضاً على المثالث الثاني وهو مثال ما لو طلق زيد زوجة عمر وشككنا في انه وكيل في الطلاق أم لا؟ حيث افيد في التقرير ان الحكم على هذا المورد على القاعدة وان قلنا بحجية اصالة الصحة مطلقا اي الحكم ببطلان الطلاق، وذلك لأن المورد ليس من مجاري اصالة الصحة لأن التوكيل كما سيأتي في الأبحاث التالية حقيقته توسعة شخصية الموكل بحسب اعتبار القانون العقلائي بنحو يعد الفعل الصادر منه صادرا من الموكل ولذلك لو تزوج شخص بسبب الوكيل يكون الزوج هو الموكل لا الوكيل والخيار ثابت للموكل فيما اذا كان العقد خياريا كالبيع مثلا، لان فعل الوكيل فعل للموكل، الا ان الشك في هذا المورد هو في ان الزوج وهو من بيده الطلاق هل طلق أم لا؟

فيلاحظ على ما أفيد:

أولاً: بأن الشك في صدور الطلاق الفعلي من الزوج أم لا؟ لا يبتني على تعريف الوكالة بما ذكره فسواء قلنا بان الوكالة توسعة في شخصية الموكل أو قلنا بان الوكالة تنزيل لفعل الموكل منزلة فعله أو تنزيل للوكيل منزلة نفسه بأي نحو اخترنا تعريف الوكالة على أية حال الشك في صدور الطلاق الفعلي من الموكل قائم.

ثانياً: بأن الطلاق الصادر من المطلق هو مورد لأصالة الصحة بلحاظ الأثر الذي يريد ترتيبه بالأجنبي عن طرفي الإيقاع وإن لم يحرز صدور الوكالة من الزوج.

الإشكال السادس: ما ذكره بالنسبة الى المثال الثالث الذي ذكره سيدنا «قده» في بيع العين الموقوفة. حيث قال: إن هذا خارج عن محل الكلام إذ ليس لمن يبيع العين الموقوفة أمارة على انه يجوز له بيعها. ولعل مرداه انه اذا ادعت البطون اللاحقة بأنه لم تكن مسوغات البيع موجودة فهل يجوز انتزاعه من المشتري أم لا؟

والظاهر هو جواز الانتزاع الا ان الكلام في سر ذلك ووجهه.

وقد بيّن نكتة الإشكال في عبارة أخرى حيث ذكر هناك بأن أصالة الصحة موردها الشك في صحة العقد لا الشك في الفاعل، وهنا شك في ان البائع هل له ولاية على البيع أم لا؟ وليس شكا في صحة البيع وعدمه، ومجرى اصالة الصحة ما اذا وقع الشك في صحة عقد أو ايقاع لا ما اذا وقع الشك في عاقد.

وهذا الكلام محل تأمل. اذ تارة يكون المدعى انه لا يوجد في المقام شك في صحة عقد وإنما الشك في المقام شك في حيثية العاقد، فاذا كان هذا هو المدعى فهو منتف بالوجدان اذ لا محالة الشك في ولاية البائع اوجب الشك في صحة البيع وعدمه لان المفروض ان البائع هو ولي الوقف غاية الامر لا ندري هل باع الوقف لوجود مسوغ شرعي للبيع أم لا؟ فالشك في الولاية الفعلية اوجب الشك في صحة البيع وعدمه، وإن كان المدعى ان في المقام شكا سببيا ومسببياً بمعنى ان الشك في الصحة مسبب عن الشك في الولاية فإذا كان الشك السببي مجرى لأصل نافٍ أو مثبت لا تصل النوبة لعلاج الشك المسببي، والمفروض اذا شككنا في وجود مسوغ شرعي لبيع العين الموقوفة فمقتضى الاستصحاب عدم وجود هذا المسوغ فلا تصل النوبة لعلاج الشك المسببي وهو الشك في صحة البيع بأصالة الصحة، اذا كان هذا هو المدعى فهذا يتوقف على ضيق جريان اصالة الصحة بمعنى اننا لا نحرز بناء العقلاء على اجراء اصالة الصحة في الشك المسببي مع وجود اصل نافي للشك السببي أو مثبت له.

فاذا رجع لهذا المدعى، بمعنى انه يقول ان بناء العقلاء دليل لبي يقتصر فيه على القدر المتيقن والقدر المتيقن ما اذا لم يكن الشك في الصحة من موارد الشك المسببي الذي يوجد للشك السببي فيه علاج بأصل ناف أو مثبت.

والحمد لله رب العالمين.

أصالة الصحة | الدرس 18
أصالة الصحة | الدرس 20