نص الشريط
الدرس 38 | ماهي الحقيقة؛ وهل يمكن الوصول لها؟
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مجلس آل جمعة
التاريخ: 13/11/1442 هـ
مرات العرض: 226
المدة: 00:48:37
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (19) حجم الملف: 13.9 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

كانت البحوث السابقة حول مبادئ الاستدلال ك «مبدأ عدم التناقض، مبدأ الهوية، مبدأ العلية»، وهل أنها مبادئ سابقة على التجربة أم مبادئ لاحقة للتجربة، وعلى ضوء الحديث فيها تعرضنا للمادية الديالكتيكية ومناقشة أفكارها، وفي هذا الفصل الذي ندخل فيه - وهو من فصول نظرية المعرفة - نتعرض إلى الحقيقة، في بيان تعريفها، وبيان هل أن الحقيقة ثابتة أم متغيرة، وبيان هل أن الحقيقة مطلقة أم نسبية، فكل هذه الأبحاث من الأبحاث المفصلية في نظرية المعرفة، لذلك البحث هنا في محورين [1] :

المحور الأول: ما هو تعريف الحقيقة؟

تعرض السيد الطباطبائي والشيخ المطهري - قدس سرهما - [2]  إلى تعريف الحقيقة، وفي هذا المحور هناك تعريفات خمسة للحقيقة [3] ، وهذه التعريفات هي:

التعريف الأول: التعريف الفلسفي.

وهذا ما ذكرته الفلسفة التقليدية المعروفة، وقد عرفت الحقيقة بأنها وصف للفكرة، فالفكرة التي تخطر في الذهن هي التي تتصف بأنها حقيقة أو غير حقيقة، فالحقيقة هي الفكرة المطابقة للواقع، وهذا يعني أننا فرضنا ثنائية «واقع، فكرة» وقلنا أن الفكرة إن تطابقت مع الواقع فهي حقيقة وهي صدق وهي صح وهذه كلمات مترادفة، وإن لم تتطابق الكلمات مع الواقع فهي خطأ وهي كذب وهي زيف وليست حقيقة، فالحقيقة هي وصف للفكرة من حيث مطابقتها للواقع وعدم مطابقتها.

ما هو الواقع؟

الفكرة هي الصورة التي تخطر في ذهن الإنسان، أما الواقع هو عالم نفس الأمر بجميع مصاديقه، لأنه ربما يتصور الإنسان أن الواقع هو عالم المادة، إلا أن عالم المادة مصداق من مصاديق الواقع لا أن الواقع منحصر فيه، عالم المادة صنف من أصناف الواقع، إذن الواقع أعم من ذلك كما يعبر دائماً السيد الشهيد الصدر - قدس سره - «لوح الواقع أوسع من لوح الوجود»، فعالم المادة مصداق من مصاديق الواقع، أيضاً الأمور النفسية مصداق من مصاديق الواقع «الفرح، الحزن، الإحساس، الشعور» فهذه حقائق نفسية أيضا، فهذا واقع أيضا ومصداق من مصاديق الواقع، فعالم المجردات «الله تبارك وتعالى، عالم الملائكة» والمجردات بأصنافها مصداق من مصاديق الواقع، أيضا القضايا الانتزاعية [4]  فهي لها واقع، «النقيضان لا يجتمعان» هذه قضية انتزاعية لها واقع، أيضا عندما نقول «شريك الباري ممتنع» فهذه القضية واقعها عالم نفس الأمر.

إذن الواقع هو نفس الأمر، وهذا يشمل عالم المادة والقضايا النفسية وعالم المجردات ويشمل القضايا الانتزاعية التي جُبل الذهن - شاء أم أبى - على التصديق بها مثل «اجتماع النقيضين محالٌ، شريك الباري ممتنع، لكل مسبب سبب..»، إذن عندنا واقع، وعندنا فكرة، المطابقة هي الحقيقية.

التعريف الثاني: للمفكر الفرنسي أوگست كانت [5] .

يرى أن الحقيقة هي «الفكرة التي اتفقت عليها الأذهان في مرحلة تاريخية بحيث تتحقق وحدة معنوية»، فأي شيء تتفق عليه أذهان البشر في مرحلة تاريخية معينة يُعتبر حقيقية، فمثلا: اتفقت أذهان البشر في عصرنا الحاضر على أن الأرض كروية، إذن هذه حقيقة، فأي فكرة تتفق عليها الأذهان - أذهان البشرية - في مرحلة تاريخية، والتقيد بالاتفاق في مرحلة حتى تتحقق وحدة معنوية بأن نقول «الحقيقة واحدة» لأن المفروض أن الحقيقة ليست متعددة، فحتى نحقق الوحدة لا بُد أن نقول اتفقت عليها الأذهان البشرية في مرحلة تاريخية معينة، لأن الاتفاق في مرحلة تاريخية المعينة يُحقق لنا عنوان الوحدة، لأننا من السابق نعرف أن الحقيقة واحدة وليست متعددة، فحتى نحقق هذه الوحدة نقول أن المناط في الحقيقة أن تتفق عليها الأذهان في مرحلة تاريخية معينة، فقد اتفقت الأذهان على أن «أرسطو تلميذ لأفلاطون، زوايا المثلث تساوي قائمتين، الأرض كروية» فكل ما اتفقت عليه الأذهان في مرحلة تاريخية فهو حقيقة.

لماذا ذهب أوگست كانت لهذا التعريف وترك التعريف الفلسفي؟

النقض الأول: التعريف الأول لا ينطبق على عدّة حقائق والتي منها الحقيقة الرياضية، فمثلا «2×2=4» و«4×4=16»، فهذه الحقيقة ليس لها واقع، فالحقيقة الرياضية ليست إلا تحليل ذهني، فأنتم تقولون أن الحقيقة هي مطابقة الفكرة للواقع، إلا أن القضايا الرياضية ليس لها واقع، إذن أين الحقيقة؟!

النقض الثاني: الحقيقة النفسية، فأنا - مثلا - أشعر بفرحي أو أشعر بأني حزين، فشعوري بالفرح حقيقة إلا أنه ليس له واقع غير شعوري، أي ليس وراء شعوري واقع يطابقه شعوري، فهو شعوري وشعوري، أي ليس عندنا شيئين فنحن قلنا أن الحقيقة متقومة بعنصرين «فكرة وواقع» وأما في القضايا النفسية لا وجود لعنصرين، فشعوري بالفرح هو شعوري بالفرك، فأين الواقع وأين الثنائية بين المطابِق والمطابَق؟ حتى نقول بأن الحقيقة هي عبارة عما تضمن عنصرين «فكرة وواقع» وطابق ولم يُطابِق.

النقض الثالث: القضايا التاريخية، «الحقيقة فكرة مطابقة للواقع» إلا أن هذا الواقع قد ذهب، فكيف نجعل الفكرة المطابقة له حقيقة مع أن الواقع قد مضى؟!

النقض الرابع: القضايا التجريبية، ومشكلته في القضايا التجريبية أنه لا يُسلم بوجود واقع، فالقضايا التجريبية ليس لها واقع غير الإحساس والصور، فمثلا عندما أضع يدي على هذا الجسم وأقول «هذا الجسم حار» يقول لا وجود لشيء اسمه حار، فلا يوجد إلا الإحساس وصورة الحرارة، فلا يوجد واقع تتطابق معه الصورة حتى يُقال أن تطابق الصورة مع الواقع حقيقة، فليس عندك إلا إحساسك بالحرارة والصورة التي ارتسمت للحرارة، وهي - أي إذا جعلنا القضايا التجريبية نفس الإحساس والصور - خضعت للاختلاف، فكل إنسان له حقيقة غير الأخرى لأن كل إنسان له إحساس غير الآخر.

تعليق[6] : وهذا التعريف نعلّق عليه بما يلي:

أولا: هناك خلط بين علامة الحقيقة ونفس الحقيقة، فاتفاق البشرية - لو أن البشرية اتفقت - على فكرة معينة في جميع الأزمنة - لأنه الاتفاق في زمن من الأزمنة لا يُفيد، فقد اتفقت البشرية في السابق على أن الأرض مسطحة، فهل أن هذه حقيقة؟ اتفقت البشرية في الزمن السابق على أن الأفلاك سبعة والآن تبين كذب هذا، إذن ليست حقيقة، إذن يجب أن يقول «اتفاق البشرية على فكرة في تمام الأزمة»، واتفاق البشرية على فكرة في تمام الأزمة علامة على الحقيقة لا أنه هو الحقيقة، فنحن نكتشف الحقيقة من هذه العلامة، فما الذي يُدريك أن الكذب قبيح حقيقة؟! فلعل قُبح الكذب ليس حقيقة، تقول «الدليل عندي على أن قبح الكذب حقيقة هو اتفاق البشرية عليه في جميع الأزمنة» فاتفاق البشرية دليل وعلامة على الحقيقة لا أنه هو عين الحقيقة.

ثانياً: أن جميع الأمثلة التي ذكرها لها واقع، فالرياضيات عندي صورة وعندي واقع وراء هذه الصورة، فصورة في ذهني وهي أن «4×4=16» هذه صورة، وواقعها حقيقة العدد 16، ف «16» حقيقة من الحقائق، وهذا الواقع وهو أن عدد «16» عندما تقوم بتحليله ينقسم إلى «4×4»، إذن العدد واقع وما في ذهني من الصورة - «4×4=16» - فكرة مطابقة للواقع، أي مطابقة لواقع العدد، فلو أراد الذهن تحليله فهناك واقع وهناك فكرة وهناك مطابقة، وهذه المطابقة هي الحقيقة، وكذلك القضايا النفسية، فالقضايا النفسية - كشعوري بالفرح - فإن شعوري بالفكر أي علمي بالفرح، فلو سُئلت أنت تعلم بأنك فرح أم لا تعلم؟! أقول أعلم، إذن عندي علم وعندي معلوم، فعلمي هو الفكرة، والمعلوم هو الفرح، فهناك واقع وهناك فكرة وتطابقت الفكرة مع الواقع فَسُميت حقيقة، وكذلك بقية الأمثلة، كل هذه الأمثلة لها واقع وراءه فكرة، ووراء الفكرة والواقع مطابقة أو عدم مطابقة.

التعريف الثالث: لعالم النفس الأمريكي وليام جيمس [7] .

يرى أن الحقيقة هي الفكرة المؤثرة في مجال العمل أثراً مفيداً، فيأتي أحدهم ويقول عندي حقيقة نرى هل أن لها أثراً مفيداً أو لا، فإن مناط الحقيقة هو أن يكون للفكرة أثر مفيد في مجال العمل، مثل الآن القضايا التجريبية، فكل قضية تجريبية لها أثر في مجال العمل، إذن الحقيقة هي الفكرة المؤثرة في مجال العمل أثراً مفيداً، أما لو كانت أثراً ضارّاً فهي ليست حقيقة، بل أن يكون لها أثر مفيد في مجال العمل.

لماذا لم يختر وليام جيمس التعريف الفلسفي؟

لأن التعريف الفلسفي يقول أن الحقيقة هي الفكرة المطابقة للواقع، وهذا يعني أن الواقع ثابت حتى تُطابقه الفكرة أو لا تُطابقه، بينما الواقع ليس بثابت بل متغير كي تدور الحقيقة مداره.

التعليق:

الملاحظة الأولى:

أولا: أنه خلط بين الحقيقة وأثرها، فالحقيقة هي مطابقة الفكرة للواقع، وأثرها أنها تُنتج عملاً مفيداً، فهذا أثر من آثار الحقيقة، بل بعض الحقائق ليس لها أثر عملي مثلا - البعد بين الشمس والأرض كذا، ليس لها أثر عملي ألا يكون حقيقة؟! فليس دائماً تكون الحقيقة ذات أثر عملي، فقد يكون أثر الحقيقة أثراً علمياً نظرياً، وليس دائماً تكون الحقيقة ذات أثرٍ عملي.

ثانيا: وإذا كان للحقيقة أثر عملي، فأثر الحقيقة شيء ونفس الحقيقة شيء آخر، فالحقيقة هي مطابقة الفكرة للواقع فإن أثرها العملي أن لها أثراً مفيداً في معاملة الشخص مع عالم الواقع.

الملاحظة الثانية: كما أن تغير العالم المادي لا يُنافي مطابقة كل فكرة لكل مرحلة منه، وتكون المطابقة لكل مرحلة هي الحقيقة، وهنا نُمثل بالماء، جعلنا الماء على النار، فهذه مرحلة، اكتسب الماء حرارة وهذه مرحلة ثانية، بدأ في تفرق ذرات الماء هي مرحلة ثالثة، بدأ بالغليان وهي مرحلة رابعة، تحوله إلى مادة غازية هي مرحلة خامسة، فالواقع متغير إلا أن لكل مرحلة من مراحل الواقع فكرة، ومطابقة كل فكرة لكل مرحلة هي حقيقة، فتغير الواقع لا يُنافي تعريف الفلاسفة للحقيقة، واتصال الماء بالنار مرحلة ولها فكرة تُطابقها، غليان الماء مرحلة ولها فكرة تُطابقها، تحول الماء إلى مرحلة غازية مرحلة ولها فكرة تطابقها، فكل فكرة تطابق كل مرحلة هي حقيقة من الحقائق.

الملاحظة الثالثة: أن فيه خلطاً بين الذاتي والعرض، فهل الذاتي يتغير؟! الذي يتغير هو العرضي، فنحن حينما نأتي - مثلا - للإنسان فإن الإنسان له عناصر ذاتية وعناصر عرضية، والعناصر الذاتية للإنسان هي الحياة والعقل الناطق، وقدرته على النطق وقدرته اللغوية، فهذه عناصر ذاتية للإنسان لا تُفارقه، فهذه عناصر لا تتغير، الذي يتغير هو علمه وجهله وقيامه وقعوده وصحته ومرضه، فالتغير في العنصر العرضي لا في العنصر الذاتي، إذن دعوى أن الواقع متغير دائماً إنما ينسجم مع العنصر العرضي لا مع العنصر الذاتي، وإلا العنصر الذاتي هو عنصر ثابتٌ.

التعريف الرابع:

الحقيقة: هي انسجام كل الأفكار في ذهن الإنسان، يقولون «إنسان متصالح مع نفسه» أي أن الإنسان أفكاره منسجمة وهو متصالح معها ومرتاح منها، فانسجام كل الأفكار في ذهن الإنسان هو الحقيقة، أن يرى أن جميع أفكاره منسجمة لا تضارب ولا تعارض بينها، وهذا التعريف معناه أن الحقيقة تختلف باختلاف البشر؛ لأن كل إنسان لوحة من الأفكار تنسجم مع بعضها البعض، فاختلاف الناس في هذه اللوحات يعني اختلاف في الحقيقة، فالحقيقة ليست واحدة بل هي متعددة وتختلف باختلاف البشر، باختلاف طبائع البشر وطُرق التفكير لديهم، مضافاً إلى أن وحدة مصدر المعلومات وملاءمتها هو منشأ الانسجام.

ما هو منشأ الانسجام ومن أين جاء؟

إنما يتحقق الانسجام إذا اجتمع عنصران:

  • العنصر الأول: أن مصدرك للمعلومات واحد. فمن الطبيعي أن تكون معلومات كلها بنسق واحد ومعين.
  • العنصر الثاني: ملاءمة هذه المعلومات للنفس، فما يرتسم في ذهني من معلومات ترتاح لها نفسي.

فمن الطبيعي الإنسان - مثلا - المتدين الذي لا يستمع إلا إلى مصدر واحد من المعلومات وكل معلوماته دينية وهو ينسجم معها ويرتاح معها من الطبيعي أنه سيجد انسجاماً بين أفكاره وذاك لوحدة المصدر وارتياح النفس لها، إلا أنه هل هذا هو ميزان الحقيقة؟! فإن هذا فيه خلط بين الحقيقة وأثرها الذهني والنفسي، من الطبيعي أن الإنسان إذا تعرف على الحقيقة يرتاح لها إلا أن أثرها - وهو الانسجام مع النفس - شيء والحقيقة شيء آخر، فالحقيقة أثرها الانسجام النفسي والارتياح النفسي لاطلاع الإنسان لمطابقة الفكرة للواقع، لا أن الحقيقة هي نفس هذا الانسجام.

التعريف الخامس:

الحقيقة: هي الفكرة التي يهتدي لها العقل بأسلوب علمي، فإذا كان عندك دليل علمي على الفكرة فهي حقيقة، أما إذا لم يكن لديك فإن هذا لا يُفيدك، فالحقيقة هي الفكرة التي يهتدي لها العقل بأسلوب علمي.

تعليق: إذا كانت هذه هي الحقيقة، فيلاحظ عليها:

الملاحظة الأولى: الخلط بين الحقيقة والاستدلال عليها، فأنت ترى الفكرة مطابقة للواقع ثم تقوم بالاستدلال عليها بأسلوب علمي، لا أن الاستدلال بأسلوب علمي هو الحقيقة، فالاستدلال بأسلوب علمي فرع إذعانك بأن الفكرة مطابقة للواقع، وهذا خلط بين الحقيقة والاستدلال عليها.

الملاحظة الثانية: كما أن بعض الحقائق التي لا يشك الإنسان في حقانيتها لا يُمكن الاستدلال عليها بأسلوب علمي، فهل أن كل الحقائق يُمكن الاستدلال عليها بأسلوب علمي؟! «أنا فلان» فما هو الدليل العلمي على أنك فلان؟! لا تستطيع أن تُثبت أن هذه حقيقة إلا بأسلوب علمي، كيف آتي به؟! إذن بعض الحقائق لبداهتها لا تحتاج، بل لا يمكن إقامة الدليل العلمي عليها، كما بحثنا سابقاً في المبادئ من أن النقيضان لا يجتمعان وأننا لا نستطيع أن نُثبت أن النقيضين لا يجتمعان وليس عندنا إلا رؤية الوجدان، فالوجدان العقلي يشهد بأن النقيضين لا يجتمعان ولا دليل علمي على ذلك، وكذلك الوجدان العقلي يشهد بأن لكل مسبب سبب وإلا لا يوجد لدينا دليلاً علمياً على ذلك، فهل هذه تخرج عن كونها حقيقة؟! لا، بعض الحقائق لبداهتها لا يُمكن الاستدلال العلمي عليها ومع ذلك هي حقائق.

الملاحظات على كل التعريف السابقة:

الملاحظة الأولى: كل التعريفات إقرار ضمني بالتعريف الفلسفي للحقيقة، فكلها تتضمن اعترافاً ضمنياً من حيث لا يشعرون بأن الحقيقة هي مطابقة الفكر للواقع؛ لأنك لو تأملت أي تعريف من هذه التعريف مثلا:

التعريف الأول: «الحقيقة اتفاق الأذهان على فكرة في مرحلة تاريخية معينة» وسألت «هل أن كروية الأرض حقيقة؟ نعم، لماذا؟ لأن الأذهان تطابقات عليها» فإن هذا معناه أنه جعل تطابق الأذهان واقع وحيث أن هذه الفكرة طابقت ذلك الواقع اعتبرها حقيقة، فهو لا بُد أن يتصور ثنائية وإلا لا يستطيع أن يقول حقيقة، بل لا بُد أن يتصور ثنائية ومطابقة بين شيء وشيء حتى يقول بأنها حقيقة، فحينما يُقال لماذا اعتبرت كروية الأرض أنها حقيقة؟ نقول لأن الأذهان تطابقت عليها، وكل ما تطابقت الأذهان عليه فهو حقيقة، إذن تطابق الأذهان واقع، وهذه الفكرة - كروية الأرض - فكرةٌ طابقت الواقع فأصبحت حقيقة.

التعريف الثاني: «الحقيقة هي ما كان لها أثر مفيد في مجال العمل»، نأتي إلى أي حقيقة من الحقائق فنقول: «كل بلد منتظم في الأمم المتحدة له جواز سفرٍ وجنسية وقانون»، فهذه الفكرة حقيقة، ولها أثر عملي، فالإنسان لا يستطيع أن يُسافر إلا براعية هذه النظم وهذه القوانين، فكيف اعتبرتموها حقيقة؟ لأن لها أثر عملي، وكل ما له أثر عملي فهو حقيقة، إذن جعلتم واقعاً سميتموه «ما له الأثر العملي»، فهذا اعتبرتموه واقعاً، فكل فكرة تتطابق مع هذا الواقع تُسمى حقيقة، فهنا رجعتم إلى الاعتراف الضمني من حيث لا تشعرون أن الحقيقة هي الفكرة المطابقة للواقع، إنما الواقع أنتم فسرتموه بأشياء متعددة.

”إنها إقرار ضمني بتعريف الفلسفة للحقيقة لأن جميع هذه التعريفات حددت واقعاً معيناً، وجعلت المطابقة له - لذلك الواقع - حقيقة“.

الملاحظة الثانية: كما أن هناك - في هذه التعريفات - اعتراف ضمني بتعريف الفلاسفة للحقيقة أيضا في هذه التعريفات اعتراف ضمني بأن طريق الوصول إلى الحقيقة هو المقايسة بين الفكرة والواقع، فالأمر لا أنهم فقط اعترفوا بالتعريف الفلسفي للحقيقة بل اعترفوا أن طريق الوصول إلى الحقيقة هو ذلك أيضاً، أي بأن ينظر الذهن بين الفكرة والواقع فإذا قاس الفكرة على الواقع ورأى تطابقها أذعن بحقانيتها، وهذا هو الطريق للوصول إلى الحقيقة، فكما أنهم أذعنوا بتعريف الحقيقة أذعنوا بهذا الطريق، فالطريق للوصول إلى الحقيقة هو المقايسة بين الفكرة والواقع - أي قياس الفكرة والواقع - وليست الطرق المذكورة في كلماتهم «اتفاق الأذهان، أن يكون لها أثر عملي، انسجام الأفكار في الذهن» فإن هذه الطرق لا تُفيد بل الطريق الوحيد هو قياس الفكرة على الواقع، ويتضح ذلك بشاهدين:

الشاهد الأول: لو سألت أي واحد من هؤلاء - كانت، ديكارت - هل أخطأت في حياتك أم لا؟ طبيعي يقول أخطأت، كيف عرفت؟! يقول لأنه تبين الغلط، إذن هو افترض واقعاً، وأن الذي عمل به أو بنى عليه لم يُطابق ذلك الواقع لذلك أدرك أنه أخطأ، وهذا اعتراف ضمني بأن طريق الوصول للتمييز بين الحقيقة والخطأ هو المقايسة بين الفكرة وبين الواقع وإلا لما أمكن تمييزه أنه خطأ، فاعتراف وجدان الإنسان بأنه يقع في الخطأ أحياناً هو اعتراف بوجود واقع يناله وقد لا يناله، فإذا ناله أصاب، وإذا لم ينله أخطأ فإن هذا اعتراف بأن طريق الوصول إلى الحقيقة هو المقايسة بين الفكرة والواقع.

الشاهد الثاني: إذا أتيت إلى هذه التعريفات فإن كل تعريف يقول أن الصواب عندي

وَكُلُّ   يَدَّعِي   وَصْلاً  بِلَيْلَى
إِذَا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ فِي جُفُونٍ
  وَلَيْلَى   لَا  تُقِرُّ  لَهُمْ  iiبِذَاكَا
تبينَ  مَنْ  بَكَى مِمَّنْ iiتَبَاكَى

فالكلام أن كل فريق يصر على أن تعريفه هو الصحيح، فإصرار كل فريق على صحة تعريف بأي وجه؟ بالدليل، فيقول أن الدليل على صحة تعريفي هو كذا، نفس هذا الإصرار على أن تعريفي «صائب» والدليل على صوابه كذا هو إقرار بالمبادئ الثلاثة والتي مر البحث فيها وهي «الهوية، امتناع التناقض، العلية المعرفية»، فمثلا، لما نأتي إلى التعريف الأول «الحقيقة اتفاق الأذهان على فكرة في مرحلة تاريخية معينة»، ما هو الدليل؟ سبق وأنا ذكرنا دليل كانت الذي يقول بأن التعريف الفلسفي لا ينطبق على الحقائق الرياضية ولا ينطبق على الحقائق النفسية، فهو أقام دليلاً، إقامته للدليل لإثبات صحة تعريفه إقرار منه بمبادئ ثلاثة:

المبدأ الأول: الهوية.

أي أن الحقيقة هي الحقيقة، فهل يُمكن أن يكون تعريفك هو وليس هو؟ لا، فالحقيقة هي الحقيقة ولا يمكن أن تكون غيرها، وهذا اعتراف بمبدأ الهوية.

المبدأ الثاني: مبدأ امتناع التناقض.

لو قال أحد أن تعريفه صحيح وليس بصحيح، يقول لا يُمكن بل هو صائب 100% فإن هذا إقرار منه بامتناع التناقض وإلا لا يمكن أن يقول أنه صائب 100% إلا إذا منع التناقض.

المبدأ الثالث: مبدأ العلية المعرفية.

أنت عندما أقيم الدليل على صحة التعريف، وانتُقِلَ من الدليل إلى إثبات صحة التعريف فإن هذا التعريف عليّة - سبب ومسبب - فإدراك الدليل سبب لإدراك النتيجة فلو لا الإيمان بالسببية المعرفية والعليّة المعرفية وهي أن إدراك الدليل إدراك للنتيجة لما كان إصرار على أن الصحيح هو هذا التعريف دون غيره.

إذن الإصرار على صواب التعريف والاستدلال عليه هو إقرار بالمبادئ الثلاثة - الهوية، امتناع التناقض، والعلية المعرفية - ولولا إذعانه بهذه المبادئ لما أمكن تخطئة التعريفات الأخرى، وهذا معناه أنه لما تقول له أنت كيف توصلت إلى أن تعريفك صائب؟! يقول لمطابقته للدليل، وهنا ذهب للمطابقة، فهو قام بمقايسة بين تعريفه وبين البراهين ورأى أن تعريفه يُطابق البرهان فآمن أن تعريفه صائب، وهذا يعني أنه سلك ذات الطريق الذي يسلكه الفلاسفة في الوصول إلى الحقيقة وهي المقايسة بين الفكرة والواقع.

الملاحظة الثالثة [8] : لازم هذه التعريفات إلغاء قيمة المعلومة، أي لا يبقى للمعلومة قيمة وذلك لأمور:

أولا: لأن العلم - وهو مطابقة الصورة للمعلوم - يقال أنه تحصل عليه المرء إذا طابق الواقع، وإذا قلنا أنه لا يوجد واقع، والمسألة تدور مدار إما اتفاق البشر أو وجود أثر عملي، أو ملائمة الأفكار أي أزلنا عنصر الواقع، إذن لا يوجد عندي علم، بل يُصبح هذا ليس بعلم، فالعلم هو مطابقة الصورة للواقع، فإذا رفعنا عنصر الواقع وجعلنا المدار على الاتفاق أو الملاءمة أو الأثر العملي ألغينا العلم.

ثانياً: مضافاً إلى أنه إلغاء للعلم فهو إلغاء لقيمته، فما هي قيمة اتفاق البشرية؟! ما هي قيمة أن يكون له أثر عملي؟! ما هي قيمة أنه متلائمة؟! لا يُمكن أن تُبنى علوم على أفكار لم يُحرز مطابقتها للواقع، ادخل أي علم من العلوم - الفيزياء، الأحياء، الفلك، النفس - تضع يدك عليه له قواعد وأسس، هذه القواعد كيف أصبحت قواعد أُسِّسَ عليها العلم وبُني عليها؟ هل لأن البشر اتفقوا عليها؟! أو لأن لها أثراً عملياً؟ أو لأنها لاءمت؟! إن قيمتها كقواعد نشأت من مطابقتها للواقع، فلولا أن العلماء في كل علم رأوا أن هذه الأفكار مطابقة للواقع لما اعتبروها قواعد وأُسِّسَت وبُني عليها، بل الإنسان في كل مسيرته كيف أن وظيفته وزواجه وعمله ودراسته وتعامله مع الناس يبنيه على أساس منطلق من رؤية الإنسان أن فكرته مطابقة للواقع، فهي مبنية على رؤيته مطابقة أفكاره للواقع لا لكل المناطات التي ذُكرت في التعريفات السابقة.

”إن لازم التعريفات السابقة ما سوى التعريف الفلسفي إلغاء قيمة المعلومة؛ لأن إلغاء الواقع الثابت إلغاء لواقع العلم - لأن العلم هو مطابقة الصورة للواقع - من حيث عدم إمكان التأسيس والبناء عليه في مسيرة الإنسان“.

المحور الثاني: في ديمومة الحقيقة وتغيرها.

يأتي الكلام عنها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين

 

[1]  لم يتسع المجال لذكر المحور الثاني، وسيكون في الدرس القادم إن شاء الله.
[2]  أصول الفلسفة ج1 ص161.
[3]  وإن كانا قد ذكرا تعريفات أكثر ولكننا اقتصرنا على خمسة والتي هي أهم الأقوال والآراء في تعريف الحقيقة.
[4]  هذه سبق البحث فيها مفصلاً، وقد ذكرنا رأي السيد الطباطبائي - قدس سره - وبيان الظرف الاضطراري، وما هو معناه.
[5]  أوغست كونت «بالفرنسية: Auguste Comte» ‏ «19 يناير 1798 - 5 سبتمبر 1857م».
[6]  سنذكر مناقشة عامة لكل التعريفات إلا أن كل تعريف سوف نعلق تعليقاً خاصاً به.
[7]  ويليام جيمس «1842 - 1910» م «بالإنجليزية: William James»‏.
[8]  ذكرها الشهيد المطهري.

الدرس 37 | خلاصة الفلسفة الديالكتيكية في سطور
الدرس 39 | هل الحقيقة ثابتة أم خاضعة للتحول وَالتغير؟