نص الشريط
شريكة السيدة الزهراء (ع) في حركة كربلاء
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
المكان: مأتم السيدة الزهراء (ع) - صفوى
التاريخ: 12/6/1443 هـ
مرات العرض: 2637
المدة: 00:53:42
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (65) حجم الملف: 15.3 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف: 15]

صدق الله العلي العظيم

انطلاقاً من الآية المباركة نتحدث حول دور الأمومة من خلال محاور ثلاثة:

  • أهمية دور الأمومة.
  • الأمومة حياة مشتركة وعطاء متبادل.
  • شراكة أم البنين مع السيدة الزهراء في الإعداد لحركة كربلاء.
المحور الأول: أهمية دور الأمومة.

هنا رؤيتان: الرؤية الدينية، والرؤية النسوية.

الرؤية الدينية ترى أن منصب الأمومة هو أمر طبيعي في المرأة، وأن كل امرأة مهيئة ومعدة لأن تكون أماً، وأن تكون الأمومة دورها الطبيعي؛ لأن الأمومة ترتكز على عنصرين: عنصر بيولوجي وعنصر سيكولوجي.

العنصر البيولوجي واضح، فالإنسان القادر على الحمل والولادة والإرضاع هو الأنثى وليس الذكر، هذا العنصر البيولوجي يؤهل الأنثى لدور الأمومة، وأما العنصر السيكولوجي أي العنصر النفسي، وهذا العنصر النفسي الذي يؤهل المرأة للأمومة لا يملكه الرجل مهما كان عطوفاً وحنوناً إلا أنه لا يملك هذا العنصر الذي تمتلكه الأنثى.

هذا العنصر السيكولوجي يتمثل في مجموعة من الملكات والمواهب:

  1. الملكة الأولى: امتصاص الألم بالرضى، لا أحد يعاني ألماً في الحمل والولادة والإرضاع مثل الأم لكنها تمتص كل آلامها برضى وقناعة وبدون تأفف وتضجر أو تأسف وتحسر، تمتص كل آلام الحمل والولادة والحضانة والإرضاع برضى وبهجة، وهذه موهبة لا يمتلكها الرجل.
     
  2. الملكة الثانية: أنها تبتهج بالدفء العاطفي، فعندما يكون الولد على صدرها تشعر ببهجة لا حدود لها، تشعر بعنفوان عاطفي لا حدود له، أشار إليه القرآن الكريم عندما قال: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ [طه: 40] هذه البهجة العاطفية لا توجد عند الرجل الأب كما هي بعنفوانها وتأججها لدى المرأة الأم.
     
  3. الملكة الثالثة: العطاء اللامحدود، الحمل هو عطاء، الولادة هي عطاء، الحضانة هي عطاء، فالأم منذ أول يوم من الحمل إلى آخر يوم من الحضانة هي تقدم عطاء مجاني، عطاء لا محدود سهر ليل، عناية، حذر، ورقابة... ألخ، أي أن هذه الأم في فترة الحمل وفي فترة الولادة تعيش حالة طوارئ كلها خوف وكلها حذر وكلها رقابة، في كل وقت تقرأ مشاعر طفلها من خلال قسمات وجهه ومن خلال نبضات قلبه، تخاف عليه أكثر مما تخاف على نفسها، إلى أن يحبو على الأرض تبدأ تعيش نوعاً من الاطمئنان والاستقرار، وهذه الملكة من العطاء النفسي اللامحدود لا يمتلكه إنسان آخر غير الأنثى.
     
  4. الملكة الرابعة: استيعاب الاختلاف بنفس واحد، تتعامل مع أولادها باختلاف أمزجتهم وأذهانهم وفي أسلوب حياتهم، يختلفون في المشاعر والعواطف ومع ذلك تحتوي الأم الجميع وتستوعب الجميع، وتتكيف مع الجميع، وتتعامل مع الجميع بنفس عاطفي واحد وبأسلوب عاطفي واحد.

إذن الأمومة أمر طبيعي، وقد جُهزت المرأة لأن تقوم به من خلال العنصر البيولوجي والسيكولوجي.

الرؤية النسوية: الحركة النسوية في الغرب والتي أصبحت الآن في الشرق لديها تيارات معتدلة تعاملت مع الأمومة معاملة الإكبار والإجلال، ولكن هناك تيارات نسوية أخرى تعاملت مع الأمومة برؤية سلبية، ونصنف التيارات النسوية إلى ثلاثة اتجاهات: اتجاه سلبي بالمرة، اتجاه اجتماعي، واتجاه اقتصادي.

الاتجاه الأول: الاتجاه السلبي.

الحركة النسوية الليبرالية تعاملت مع الأمومة بنظرة سلبية جداً، واعتبرت الأمومة مجرد ثقافة مفتعلة، أي أن قدسية الأمومة وعظمتها هي ثقافة زائفة ومفتعلة ومضخمة لا أساس لها، بل إن الأمومة عامل مثير للمشاكل والأخطار.

الحركة النسوية الليبرالية لا ترى قيمة للأمومة فحتى الحيوانات تحمل وتلد، فأين الشرف في هذا الدور حتى تتنافس النساء في الحصول عليه! والواقع أنه ليس دوراً مقدساً، وترويج الأمومة ثقافة مفتعلة زائفة، بل الأمومة عامل مثير للمشاكل والأخطار، وتُصنف الأخطار إلى خطرين يترتبان على الأمومة:

  • الخطر الأول: أن الأمومة أسلوب من أساليب القمع يمارسه الرجل ضد المرأة؛ لأن الرجل يحصر المرأة في الحمل والولادة والإرضاع والحضانة، وهذا الحصر في هذه الزاوية ظلم للمرأة وقمع لدورها، وخنق لقدراتها ومواهبها الإبداعية الخلاقة.
     
  • الخطر الثاني: عندما يُروَّج لثقافة الأمومة، وتأتي المجلات والمنابر والأديان وتُروج لهذه الثقافة فإن هذا الترويج هو أسلوب استغلال عاطفي للمرأة، فالمرأة تُستَغل عاطفياً حتى تتوجه لهذا الدور، واتجاهها لهذا الدور يحرمها من التنافس مع الرجل في المجال السياسي، وفي المجال الأكاديمي، وفي المجال الاقتصادي، ومن أجل أن تُحرَم المرأة من فرصة المنافسة مع الرجل تُروج ثقافة الأمومة وكأنها منصب عظيم، ودور إنساني كبير، ستالفون كرافت من رواد المدرسة النسوية الليبرالية يقول بأن الحل هو تحرير المرأة من براثن الحمل والولادة والإنجاب والإرضاع وبذلك نتخلص من هذه المشكلة وأخطارها وسلبياتها.

الاتجاه الثاني: الاتجاه الاجتماعي.

تتبنى الحركة النسوية التحليلية النفسية نظرة أخرى وتقول: لا نستطيع أن نُلغي الأمومة ونقضي عليها، إنما نحولها إلى دور اجتماعي، أي علينا أن نفصل بين العنصر الطبيعي والعنصر الاجتماعي، فالعنصر الطبيعي هو الحمل والولادة وهذا يمكن أن تقدمه المرأة كخدمة إنسانية تأخذ عليها أجرة أو بدون أجرة، وهي ليست الأمومة، أما الدور الاجتماعي وهو الحضانة والتربية فهذا الدور ليس صفة للمرأة بل هي صفة مشتركة للرجل والمرأة؛ أي يجب على الرجل أن يشترك مع المرأة في الحضانة والتربية والإرضاع، وتصبح مهمة الأمومة مهمة مشتركة تُقسم بين الرجل والمرأة، فكما تأخذ المرأة إجازة الأمومة فالرجل كذلك، كلاهما يشتركان في الحضانة والإرضاع والتربية، وبالتالي نحن تجنبنا أخطار الأمومة، ومن جهة ثانية أصبحت الأمومة ليست صفة مذمومة حتى تكون عيباً لأنها أصبحت مشتركة للرجل والمرأة، فلا تعاب المرأة أن يقال لها أم أو مربية، أو يقال لها حاضنة؛ لأن هذا الدور موزع بين الرجل والمرأة، فهذا الاتجاه يسعى للفصل بين العنصر الطبيعي والعنصر الاجتماعي للتخلص من مشكلة أخطار الأمومة.

الاتجاه الثالث: الاتجاه الاقتصادي.

يقول الاتجاه الاقتصادي: لا نريد أن نُلغي الأمومة وإنما نحول الأمومة إلى عمل استثماري تجاري، ولا حاجة لأن تكون الأمومة دور طبيعي في كل أسرة، أي كما أن هناك دُوراً للحضانة تأخذ أجرة وكما أن هناك رياضاً للأطفال تأخذ أجرة هناك أيضاً أم بالأجرة، يُستأجر رحمها للحمل والولادة، وتستأجر امرأة أخرى للحضانة والإرضاع، وتصبح الأمومة عمل استثماري تتنافس عليه الشركات والمؤسسات، فنتخلص من معابة ومهانة الأمومة ونتخلص من أخطارها، وتصبح عملاً مفيداً للمجتمع مهنة كسائر المهن.

حتى لجنة العدالة الاجتماعية في الأمم المتحدة عندها هذه التوصية: الأطفال ملك للمستقبل، وأن الاستثمار في مجال فرص عيش الأطفال أفضل أنواع الاستثمار الاقتصادي والاجتماعي، أي أن الأمومة أصبحت استثمار، وعمل تجاري تأخذ عليه المرأة أجرة، وتصبح الأمومة وظيفة فلا تكون حينئذ عيباً ولا مهانة.

هذه الحركات التي تريد أن تحول الأمومة إلى دور بين الرجل والمرأة، والتي تريد أن تحول الأمومة إلى عمل استثماري، والتي تلغي دور الأمومة كل هذه الحركات حولت بلاد الغرب إلى شجون ومآسي، فعندما تقرأ الآثار الخطيرة التي ترتبت على التلاعب بدور الأمومة وما نتج عنها من أخطار وأهمها خطران محدقان، والآن أصبح هذان الخطران محدقين بالمجتمع الإسلامي الشرقي لأن الأمومة أصبحت عيباً وصفة ذميمة تهرب منها النساء، وتهرب منها الفتاة أن يقال لها أم أو يقال لها مربية أو يقال لها حاضنة، تعتبره عيباً ومهانة، وترتب على هذه النظرة السلبية خطران مهمان:

  1. الخطر الأول: حدوث هوة عميقة بين الأطفال وبين أمهاتهم وأبنائهم، الأطفال الذين يعيشون في دور الحضانة طول أوقاتهم ولا يلتقون مع الأم إلا يوم في الأسبوع أو يومين، أو الطفل الذي لا يلتقي بأمه إلا ساعات معدودة وهي مرهقة ومتعبة من العمل والوظيفة والشؤون الاجتماعية، هؤلاء الأطفال فقدوا الثقة بأمهاتهم، ونتيجة فقدان الثقة بالأم لعدم وجود علاقة عاطفية حميمة بينها وبين الطفل أصبحت هناك حواجز سميكة بين الطفل وأمه، فهو لا يشعر بالاستقرار والاطمئنان.
     
  2. الخطر الثاني: أن إبعاد الأم عن دور الأمومة أصبح مصدراً للعنف والتمرد والهبوط الأخلاقي في الغرب بأبشع صوره، وقد تتكرر أمثالها في الشرق، لأن الأسرة أُبعدت عن مكانها الطبيعي وهو مكان التعليم والتربية وغرس المبادئ ورعاية الطفل منذ أول يوم يفتح عينيه إلى أن يكبر ويرشد وينضج، لأجل ذلك كثرت هذه الأخطار.

ومن هنا جاءت كارل جيليغان وهي امرأة من الحركة النسوية المعتدلة لتعظم دور الأمومة، وتطالب الغرب أن يعودوا لهذا الدور  دور الأمومة وتقول:

العلاقة على قسمين: علاقة متوازنة، وعلاقة غير متوازنة.

العلاقة المتوازنة هي علاقة بين شخصين متكافئين، أخوان لأب، موظفان في شركة، فالعلاقة بين الأخوين أو الموظفَين تسمى علاقة متوازنة؛ أي أن كل منهما يكافئ الآخر.

العلاقة غير المتوازنة هي العلاقة التي ليس فيها تكافؤ، رئيس وموظف، طبيب ومريض، راعي ورعية، أستاذ وتلميذ، العلاقة غير المتوازنة يكون فيها الدور دوراً أحادياً، فالمعلم هو الذي يقوم بدور التعليم وليس التلميذ، والطبيب هو الذي يقوم بدور العلاج وتشخيص المرض وليس المريض، فالعلاقة غير المتوازنة يكون العطاء فيها أحادي؛ أي من طرف واحد، من هنا تقول جيليغان: أعظم أنموذج للعلاقة غير المتوازنة هو الأم، وينبغي للأساتذة والأطباء والرؤساء والمدراء أن يقتدوا بالأم في علاقاتهم غير المتوازنة؛ لأن الأم هي المصدر الثري للعطاء والحب والدفء العاطفي والحنان، هي المثل الأعلى في تعلم العطاء، وفي تعلم إغداق الحب والحنان بلا حدود على الطرف الآخر.

إذن الرؤية الدينية رؤية صائبة عندما تتجنب هذه الأخطار وتنادي بالبقاء على دور الأمومة، لأن دور الأمومة لا يلغي مواهب الأم وإبداعات الأم، فالأم بإمكانها أن تنجب طفلين وثلاثة ومن بعدها تستطيع أن تتفرغ إلى تنمية مواهبها وطاقاتها وقدراتها الإبداعية، بل إن بعض النساء عندها القدرة على الجمع بين التربية من جهة وبين أن تكون مبدعة ومعطاءة، متفوقة في مجال الأكاديمي أو في المجال المهني أو في المجال الاجتماعي.

إذن لا تعارض أبداً ولا تزاحم بين دور الامومة وبين أن تكون المرأة عنصراً معطاء فاعلاً في النهوض بحضارة المجتمع الإنساني.

المحور الثاني: الأمومة حياة مشتركة وعطاء متبادل.

ليس المراد بالأمومة هي الأعمال المنزلية، فالأعمال المنزلية قد يقوم بها الرجل أو تقوم بها الخادمة وهي ليست واجب من واجبات المرأة إلا بتوافق بين الزوج مع الزوجة عليها، عندما نتحدث عن الأمومة فنحن نتحدث عن الحضانة التي هي حق للمرأة في الطفل، ولذلك يقول الفقهاء لو طالبت الأم أجرة على حضانتها فهي تستحق الأجرة.

دور الأمومة يُعبر عنه الإمام أمير المؤمنين علي : >ما من لبن رضع به صبي أعظم بركة من لبن أمه< فالطفل عندما يشرب حليب أمه فهو يشرب الحنان والدفء، يشرب الاستقرار والطمأنينة، عندما يكون على صدر أمه وبين ذراعيها هنا يكتسب الطفل كل مكونات شخصيته من خلال هذا الذراع ذراع الأم ومن خلال لسانها ومناغاتها.

الأمومة هنا تتجلى في الحضانة والإرضاع، لذلك ترى القرآن الكريم يربط بين الشخصية الواعية والتربية الواعية في الآية التي افتتحنا بها المحاضرة، تربط بين الزمنين زمن الشخصية الواعية وزمن الحضانة الواعية، تقول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا [الأحقاف: 15]

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ الوالدين تعود على الأم مباشرة لأنها أوضح مثال على العطاء اللامحدود، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا الكُره في اللغة يعني الألم، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ألم جسدي شديد لكنها تستقبله برضا وببهجة، ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا كل ذلك جهاد من المرأة تعيش فيه مع هذا الطفل من حمل وولادة وإرضاع وحضانة.

ثم يقول: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا من بلغ أربعين سنة فقد بلغ سن الحكمة والنضج، بلغ سن التجربة، فلما بلغ الشخصية الواعية صار يفكر في الشكر والعمل الصالح، والطفل اكتسب هذه الشخصية الواعية من الحضانة الواعية، لأنه عاش حضانة كافية، وعاش حناناً ودفئاً عاطفياً كافياً لذلك أصبح شخصية واعية ناضجة.

لذلك نحن نقول أن الأمومة ليست فائدتها للطفل فقط بل فيها فائدة للأم أيضاً، حياة متبادلة وعطاء متبادل، الطفل يكتسب والأم تكتسب، كل منهما يكتسب من الآخر، الطفل يكتسب من أمه الاستقرار النفسي وليس هناك احتياج للإنسان أكثر من الاستقرار والهدوء النفسي، يحتاج إلى حنان عاطفي كافي، فالطفل إذا لم يتلق الحنان العاطفي الكافي يصبح شخصية متوترة، فهو يكتسب من أمه الاستقرار والهدوء واستواء الشخصية، ويكتسب من أمه مبادئ التعليم، وكيف يتكلم وكيف يعيش الحياة وكيف يعامل الناس، يكتسب من أمه القيم والأخلاق والفضائل، ولذلك قيل:

الأُمُّ  مَدرَسَةٌ  إِذا  iiأَعدَدتَها   أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ

ويقول القرآن: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [مريم: 32] ويقول أيضاً: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان: 14]

وجاء رجل إلى رسول الله محمد قال: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك.

وورد عنه : ”الجنة تحت أقدام الأمهات“ فطريقك للجنة من خلال رضا أمك ودعائها، ومن خلال تواصلك مع أمك.

وكذلك الأم أيضاً تكتسب من الطفل، تكتسب منه عدة سمات:

السمة الأولى: سمة نفسية.

 تكتسب من خلال الحضانة الاستقرار، كما الطفل يحتاج إلى الاستقرار الأم أيضا تكتسب من قرب طفلها إلى صدرها الاستقرار والهدوء كل منهما يكتسب سمة نفسية من الآخر.

السمة الثانية: السمة القيمية.

تكتسب الأم قيماً من الحضانة مثل قيمة الصبر وقيمة العفو، تتعلم المرأة الصبر على المصاعب والصبر على الآلام من خلال صبرها على الحمل والولادة والإرضاع والحضانة، وتكتسب المرأة صفة العفو من خلال تربيتها لأبنائها، يخطئون عليها وتستوعب أخطاءهم وتجاوزاتهم واختلافاتهم، وتتعلم كيف تتعامل بخلق العفو عن الإساءة.

السمة الثالثة: سمة إدارية.

الكثير من أمهاتنا أفضل من كثير من الآباء في إدارة البيوت، وهذه السمة الإدارية تكتسبها من خلال التربية والحضانة، فتكتسب سمة إدارية وتكتسب صفة المرونة والضبط ووضع الموازين لإدارة المنزل والأسرة.

إذن كما يكتسب الطفل من أمه فإن الأم تكتسب من حضانة طفلها كثيراً من السمات الإيجابية.

المحور الثالث: شراكة أم البنين مع السيدة الزهراء في الإعداد لحركة كربلاء.

فاطمة الزهراء وفاطمة أم البنين اشتركتا في الإعداد إلى حركة كربلاء، فاطمة الزهراء هي المثل الأعلى في الأمومة، وقد اهتمت فاطمة الزهراء في تربية أبنائها بخصلتين:

الخصلة الأولى: الشخصية الروحية، كيف يكون متعلقاً بالله وكيف يربط كل أموره بالله، وكيف يعيش إنساناً متوكلاً على الله ومفوضاً أمره إلى الله، علمت الحسنين على هذه الصفة، أن يكونا شخصية متعلقة بالله ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا «7» وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا «8» إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا «9» [الإنسان: 7 - 9]

الخصلة الثانية: كيف تكون معطاء لمجتمعك، كثير من الناس يعيش الأنانية في نفسه وجيبه وراحته وحياته، بينما الزهراء علمت أبناءها بأن يهتموا بغيرهم قبل أن يهتموا بأنفسهم، على أن يكونوا معطاء للمجتمع والإنسانية، علمت أبناءها أن يكونوا عنصراً فاعلاً في مجتمعهم، يقول الإمام الحسن الزكي : >ما رأيت أعبد من أمي فاطمة، كانت إذا قامت إلى صلاتها لا تنفتل من صلاتها حتى تتورم قدماها من طول الوقوف بين يدي ربها، وما رأيتها دعت لنفسها قط، وإنما تدعو للمؤمنين والمؤمنات، أقول لها: أماه لم لا تدعين لنفسك؟ تقول: بني حسن الجار ثم الدار<، كن معطاء لغيرك وكن ضميراً حياً بآلام مجتمعك وأوجاعه، هكذا أعدت الزهراء حسيناً وزينب لكربلاء.

الحسين أعطى دمه وتحول إلى شخصية مبدئية جهادية لا يفكر في نفسه، وإنما يفكر في العطاء وخدمة مجتمعه الإسلامي، وحولت زينب إلى شخصية ثورية مبدئية لا تفكر إلا في العطاء لمجتمعها، الزهراء هي التي أعدت حسيناً وزينب لإدارة ثورة كربلاء وحركة كربلاء.

وفاطمة أم البنين هذه المرأة العظيمة من أين نتحدث عنها! زاوية وحده تكفينا، الإمام علي لديه أربعة عشر ولداً، ولدان ماتا في حياته وبقي منهم اثنا عشر ولد، وقد شارك منهم في كربلاء ثمانية وكلهم قتلوا يوم كربلاء، قتلوا مع الحسين بن علي.

والثمانية الذين قتلوا مع الحسين من أبناء علي هم أبناء فاطمة الكلابية أربعة من أبنائها قتلوا من أجل دينهم ومبادئهم يوم كربلاء، ومحمد الأصغر أمه أم ولد قُتل يوم كربلاء مع أخيه الحسين، والعباس الأصغر  العباس الأكبر وهو العباس بن علي وأمه أم البنين  أمه لبابة بنت عبيد الله بن العباس وقد قُتل يوم كربلاء، ومع هؤلاء عبد الله المكنى بأبي بكر أمه ليلى بنت مسعود الداريمية، هؤلاء قتلوا مع الحسين يوم كربلاء

وبقي أربعة من أولاد الإمام وهم محمد بن الحنفية  المسمى بمحمد الأكبر  وأمه خولة بنت جعفر بن قيس، وعمر الأطرف سمي بالأطرف لأن أمه غير هاشمية  وهي الصهباء، وعون وأمه هي أسماء بنت عميس، ومحمد الأوسط وأمه أمامة، هؤلاء الأربعة لم يشتركوا في كربلاء.

نستثني محمد بن الحنفية لأنه قيل عنه أنه معذور فقد كان يعاني شلل في يديه، فأين ذهب البقية وهم كلهم شباب؟ ألم يكونوا على وعي بحركة الحسين وبجهاد الحسين! ألم يكونوا على وعي بمبادئ الحسين! أين هم! قد يكونوا معذورين أيضاً، وممكن أن يكون هناك علامة توقف لا ندري، لكن نقول لماذا أبناء فاطمة الكلابية قد وقفوا مع الحسين من أول يوم إلى أن تفانوا بين يدي الحسين، من العباس إلى جعفر وإلى عثمان وإلى عبد الله، أبناء فاطمة أم البنين كانوا هم الواجهة من أبناء الإمام علي يوم كربلاء، جزء من هذه القضية يرجع إلى الأم، الأم التي ربت والتي اعتنت وأنتجت، فاطمة أم البنين هي التي قامت بهذا الدور، ولولا أن فاطمة أم البنين قدمت وبذلت كل ما عندها في سبيل تربية أبنائها الأربعة على الإخلاص والصدق دون الدين ودون المبادئ ودون الحسين ابن بنت رسول الله ما كان أبناؤها في الطليعة، وما كانت أم البنين الأربعة في الطليعة واعتبرت من النساء اللاتي ساهمن في الإعداد لحركة كربلاء.

دور الامومة الذي تجلى في شخصية أم البنين هو الذي أنتج هؤلاء الأبطال الشهداء الأربعة يوم كربلاء، أم البنين وما أدراك ما أم البنين، أم البنين وسيلة الصالحين والمؤمنين في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، وتفريج الهموم والغموم، المحقق السيد عبد الرزاق المقرم في كتابه مقتل الحسين نفى وجود أم البنين على قيد الحياة في معركة كربلاء، ولكن عدة من المؤرخين نصوا على وجودها في المدينة أثناء معركة كربلاء ومنهم أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين، وذكر الروايات عنها وكيف تلقت الناعي وكيف تلقت مصيبة الحسين بعد معركة كربلاء، يكفي فخراً لها أنها أم الفضل وأنها أم الأبطال الأربعة، وأنها هي التي بذلت أفلاذ كبدها وأشجان قلبها دون الحسين ودون المبادئ والقيم يوم كربلاء.

ماذا قدمت الزهراء (ع) للحضارة الإنسانية
نور فاطمة (ع) وَنور القرآن