نص الشريط
حوار حول التفسير الفلسفي للسيد الطباطبائي في كتابه الميزان
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 26/1/1445 هـ
مرات العرض: 95
المدة: 01:23:29
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (17) حجم الملف: 28.6 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9]

صدق الله العلي العظيم

كان المفترض أن تكون هذه الليلة ليلة حوار مفتوح حول المحاضرات السابقة، ولكن حيث لم يتهيأ الظرف لذلك فالأسئلة التي جاءتني حول المحاضرات السابقة فرزتها وانتخبت منها بعض الأسئلة الرصينة وقسمتها على أربعة محاور:

  • ما يتعلق بتفسير القرآن الكريم.
  • الأسئلة المتعلقة بالفكر الديني.
  • وصايا المرجعية العليا

نتحدث في كل محور عن مجموعة منها:

المحور الأول: ما يتعلق بتفسير القرآن الكريم.

السؤال الأول: ما هو معنى التفسير عندما يقول القرآن الكريم: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: 33]؟

التفسير له معنيان: معنى عام، ومعنى خاص.

المعنى العام: المراد بالتفسير تحديد معنى الآية المباركة سواء كان هذا التحديد عبر الأخذ بظهور الآية أو كان هذا التحديد للمعنى مما يحتاج إلى أدوات أخرى غير الأخذ بظهور الآية كأن نعتمد على الرواية، أو نعتمد على الحقائق العلمية أو نعتمد على القرائن العقلية.

إذن التفسير العام هو تحديد معنى الآية سواء أخذاً بالظاهر أو كان يحتاج إلى أدوات أخرى.

المعنى الخاص: هو كشف القناع كما يعبر الشيخ الطبرسي صاحب كتاب مجمع البيان في تفسير القرآن، ويعني أن التفسير لا يكون إلا في الموطن الذي يحتاج تحديد المعنى إلى تأمل وإعمال أدوات وراء الأخذ بالظاهر حتى يتضح معنى الآية كما ذكرنا فيما سبق.

هناك عملية استظهار، وهناك عملية تفسير، فأما عملية الاستظهار فهي عبارة عن الرجوع إلى العرف العربي وماذا يفهم من ألفاظ الآية، مثلاً عندما يأتينا قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: 1] يفهم العرف العربي من كلمة العقود المواثيق والمعاملات، حينئذ نحن نفسر العقود بما يفهمه العرف العربي، وهذا لا يحتاج إلى تفسير، هذا عمل بالظاهر يعني أخذ بما يفهمه العرب من الآية.

أما إذا جاءتنا آية لا يمكن أن نأخذ بظاهرها إما لغموضها وإما لأن ظاهرها ينافي العقل، فهنا نحتاج إلى عملية التفسير، مثلاً عندما نقرأ قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا «26» إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا «27» [الجن: 26 - 27] ما هي حقيقة الرصد؟ هو أمر لا يمكن أن نعتمد فيه على الألفاظ نحتاج إلى تفسير؛ لأن معنى الآية غامض يحتاج إلى أدوات أخرى كي نفهم ما معنى الرصد المحيط بالأنبياء والمحيط بالرسل.

أو قد يكون معنى الآية واضح ولكن مع ذلك هذا الواضح يتنافى مع العقل، مثلاً عندما نقرأ قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22] المعنى واضح، الله جاء والملك صفين، ولكن هذا المعنى يتنافى مع العقل لأن الله ليس بجسم حتى يعقل فيه المجيء والذهاب، إذن هنا نحتاج إلى عملية التفسير.

فعملية التفسير هي العملية التي تحتاج إلى استخدام أدوات أخرى، والاستظهار هو عبارة عن العمل بما يفهمه العرف العربي من ألفاظ الآية.

السؤال الثاني: ذكرنا أن السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب كتاب تفسير الميزان، وكتابه ما زال في الطليعة وهو الرقم الأول من حيث التفاسير الإمامية للقرآن الكريم، وقد قسَّم السيد صاحب الميزان العالم إلى عالم خلق، وعالم أمر، قال: القرآن الكريم هو الذي يدل على هذا التقسيم قال القرآن الكريم: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: 54] يعني هناك خلق وهناك أمر.

وجاءت آيات ثانية أوضحت معنى الخلق، وأوضحت معنى الأمر، جاءت الآيات وربطت الخلق بالتدرج الزمني، مثلاً: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ «12» ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ «13» ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ «14» [المؤمنون: 12 - 14]

أو عندما يقول: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا «13» وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا «14» [نوح: 13 - 14] أي أن الخلق مر بأطوار، مر بتدرج زمني، من هنا نفهم أن عالم الخلق هو عالم المادة الذي يخضع للبعد الزمني، بينما عندما يأتي القرآن لكلمة «الأمر» ترى أنه فسَّر كلمة «الأمر» بالتجرد من الزمن، يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] أو عندما يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: 50] أي بأسرع من لمح البصر، أي لا يوجد زمن.

إذن الأمر عالم ليس فيه مادة ولا زمن، والخلق عالم فيه مادة وفيه زمن، لذلك عندما نريد أن نطبق هذا التفسير على الروح، هل هي من عالم المادة والزمن أم من عالم متحرر من المادة والزمن يقول السيد صاحب الميزان نحن عندما نقرأ قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85] نفهم أن الروح ليست مادة ولا تخضع لبعد الزمن، بل هي من عالم الأمر، فهناك فرق بين الجسد والروح، الجسد مادة زمنية، الروح متحررة من المادة والزمن، الروح من عالم الأمر، والجسد من عالم الخلق.

نحن قلنا في بعض الليالي أن هذا التفسير هو تفسير فلسفي وليس تفسير قرآنياً؛ بمعنى أن السيد صاحب الميزان اعتمد على ثقافته ومرتكزاته الفلسفية وفسَّر الآيات وجمع بين الآيات القرآنية استناداً على ثقافته ومرتكزاته الفلسفية وليس هذا تفسيراً بالقرآن وحده، أي لو اعتمد على القرآن وحده لن يصل إلى هذا التفسير، هذا تفسير أقحمنا فيه ثقافة فلسفية لأن من جملة المفاهيم في الفلسفة أن هناك عالم أمر، عالم خلق، عالم المجردات، عالم الماديات، نحن أقحمنا ثقافة فلسفية لتفسير القرآن، فنحن عندما نقف أمام هذه الكلمات التي ذكرها السيد صاحب الميزان أعلى الله مقامه نقول:

أولاً: هنا عدم تمييز بين المفهوم والمصداق، الآيات التي تحدثت عن الخلق قال خلق الإنسان خضع لمادة وزمن، وخلق السماوات خضع لمادة وزمن ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54] هذه الآيات تتحدث عن مصاديق للخلق لا عن مفهوم الخلق، هذه الآيات لا تبين أن مفهوم الخلق لابد فيه من مادة وزمن، وإنما ذكرت أمثلة ومصاديق للخلق فيها مادة وفيها زمن، وفرق بين صفات بعض المصاديق وصفات المفهوم، هذه الآيات لا تحدد لنا أن مفهوم الخلق متقوم بالمادة والزمن، وإنما ذكرت بعض مصاديق الخلق أن فيها مادة وزمن، فلابد أن نفرز المفهوم عن المصداق.

ثانياً: بعض الآيات عبرت عن الروح بأنها من عالم الخلق، مثلاً عندما نقرأ الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ «12» ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ «13» ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ «14» [المؤمنون: 12 - 14] اتصال الروح بالجسد عبَّر عنه القرآن بالخلق ولم يعبِّر بالأمر﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ معناه أن النفس الإنسانية أيضاً من عالم الخلق لأن القرآن هنا عبَّر عنها بالخلق.

ثالثاً: نلاحظ نفس القرآن عبَّر كلمة الأمر بمعنى الشأن، يعبر بالأمر ويريد به الشأن كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ «1» وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ «2» لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ «3» تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ «4» سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ «5» [القدر: 1 - 5] من كل أمر أي من كل شأن، ملائكة الحياة، ملائكة الموت، ملائكة الرزق... ملائكة كل أمر أي ملائكة كل شأن.

مثلاً عندما يقول تبارك وتعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [السجدة: 5] نفس الأمر يعرج عبر بُعد زمني، إذن ليس الأمر أنه عالم متحرر من المادة والزمن، وبالتالي عندما يقول تبارك وتعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: 54] ليس هناك دليل على أنه يقصد عالمين عالم مادي وعالم غير مادي، إنما يقصد أن له الخلق وله الأمر في الخلق، وبالتالي بناء على ذلك عندما يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: 50] لا يعني أن هناك عالم اسمه عالم أمر وأن عالم الأمر ليس فيه زمن، هو تعبير عربي كناية عن عدم التخلف، يريد أن يعبر لنا أن مخلوقاته لا تتخلف عن إرادته، إرادته إذا اقتضت شيء يقع، لا تتخلف مخلوقاته عن إرادته، استخدم هذا التعبير العربي الجميل كناية عن عدم تخلف المخلوق عن إرادته، فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ

وكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82]

السؤال الثالث: تفسير آية السرقة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة: 38] الإمامية تعتقد أن اليد هي أصول الأصابع من دون الإبهام، فمن أين عرفنا أن اليد هي أصول الأصابع، لماذا لا تكون هي الكف، لماذا لا تكون هي المرفق؟ ونحن استشهدنا برواية عن الإمام الجواد قال فيها: لا تُقطع الكف لأنها مسجّد، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18]

هذه الرواية عن الإمام الجواد في تفسير العياشي ضعيفة، ولكن عندنا صحيحة معتبرة صحيحة حماد التي قال فيها الإمام الصادق لحماد: يا حماد أتحسن أن تصلي؟ ثم بيَّن له كيفية الصلاة، وفي هذه الرواية قال الإمام الصادق لحماد: وهناك المساجد وهي الجبهة والكفان، والركبتان، والإبهامان.

إذن التعبير عن مواطن السجود بالمساجد ورد في رواية صحيحة وهي صحيحة حماد، وفي هذه الرواية الإمام الصادق أيضاً استدل بالآية أيضاً وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا

نعم الشيخ الطوسي شيخ الطائفة رحمه الله له تعليق وهو يقول: الدليل على أن المراد باليد الأصابع هو قوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة: 79] والإنسان إذا أراد أن يكتب فإنه يكتب بالأصابع وهذا معناه أن المراد بالأيدي الأصابع، لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ [البقرة: 79]

السؤال الرابع: ذكرنا الآية المباركة قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: 25] وقلنا أن الحديد يتميز على سائر العناصر ولذلك خصه القرآن بذلك عندما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: 25] لماذا الحديد فقط؟ كل العناصر جاءت من السماء حيث أن القرآن الكريم يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر: 21] كل شيء جاء من السماء وليس فقط الحديد، وقال القرآن الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [طه: 80]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان: 48] فما هي خصوصية الحديد حتى يذكر أنه من ناحية فيزيائية عنصر الحديد يتميز على غيره من العناصر ولذلك ذكره القرآن الكريم؟

الجواب: صحيح العناصر جاءت من السماء لكن من أين جاءت العناصر من السماء؟ من انفجار النجوم، النجوم العملاقة انفجرت فتكونت العناصر وهبطت على هذه الأرض فتكون قوامها في الأرض، ما الذي يوجب انفجار النجوم؟ فيزيائياً لسطوة الحديد عليها، الحديد يمتص الطاقة بعكس العناصر الأخرى تعطيها طاقة تزداد طاقة، ولأن الحديد عنصر يتميز بامتصاص الطاقة لذلك الحديد يقتل الشمس، يحولها إلى انفجارات نووية متراكمة تتكون منها العناصر، لهذا الحديد له خاصية، لذلك قال القرآن: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: 25] الحديد يفجر الشمس العملاقة ويسطو عليها.

السؤال الخامس: ذكرنا في الليالي السابقة وقلنا علمياً أول مخلوق هو هذه الكتلة الغازية، ولكن القرآن الكريم قال أن أول مخلوق هو الماء حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: 30]، وقال: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود: 7] عرش الله على الماء معناه أن الماء أول موجود فكيف يكون أول موجود هو هذه الكتلة الغازية؟

الجواب: أيضاً قد يقول شخص الروايات إذا رجعنا إليها نجد أن الروايات عن الأئمة الهداة صلوات الله عليهم يقولون أن أول مخلوق هو الماء، عن محمد بن داوود عن محمد بن عطية قال: جاء رجل إلى أبي جعفر الباقر من أهل الشام من علمائهم فقال: يا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة أعيت علي لم أجد أحداً يفسرها وسأل عنها ثلاثة أصناف من الناس ما هو معنى القَدَر، وما هو معنى القَدْر، وما هو معنى القلم، وما هو معنى الروح..... قال الإمام : وكان أول ما خلق الله هو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شيء إلى الماء، ولم يجعل للماء نسباً.

الرواية الشريفة ضعيفة السند لأن محمد بن داوود مجهول فلا نستطيع أن نعتمد عليها في تحديد هذا المطلب المهم وهو تحديد أول مخلوق.

بالنسبة إلى القرآن الكريم عندما جاء إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ [فصلت: 11] الدخان هي كتلة غازية، وهذا يدل على أن أول ما تكوّن في السماء هو الكتلة الغازية، أما قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: 30] فإن الماء أصل الحياة وليس أصل الوجود.

أما قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود: 7] ذكر العلماء ومنهم السيد صاحب الميزان قدس سره أن العرش في القرآن الكريم له معاني: العرش بمعنى السلطة الناشئة عن العلم كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] استوى أي سيطر على العرش، وإذا سيطر على العرش سيطر على الكون كله لأن العرش هو مركز الاستخبارات، العرش مركز استخبارات الكون والسيطرة عليه سيطرة على الكون.

وهناك معنى آخر للعرش وهو مبدأ هذا الوجود المادي الذي نعيش فيه، أول مبدأ لهذا الوجود المادي هو الماء فلذلك عبر عنه ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود: 7]

السؤال السادس: طرحنا في بعض الليالي السابقة أن النبي محمد عندما كان في مكة لم يذكر أن إبراهيم بنى الكعبة، لما وصل إلى المدينة ذكر أن إبراهيم بنى الكعبة ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ «96» فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: 96 - 97]

﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] لماذا لم يذكر أن إبراهيم بنى الكعبة وهو في مكة؟ جلس النبي في مكة ثلاثة عشر سنة وما ذكرها القرآن إلا بعد أن وصل النبي إلى المدينة، فبعض المستشرقين يقول أن محمد ليس لديه دين سماوي، وهو أراد أن يثبت أن عنده دين سماوي فأراد أن يثبت انتماءه لإبراهيم بحجة أن إبراهيم بنى كعبة والنبي من أهل مكة إذن له انتماء إلى إبراهيم حتى يثبت أن لهذا الدين انتماء سماوياً، ونحن رددنا عليه في تلك الليلة بعدة شواهد من غير القرآن على أن من بنى الكعبة فعلاً هو إبراهيم وأن هناك نقوشات باللغة الآرامية تثبت ذلك وذلك قبل أن يولد موسى وعيسى، ولكن بغض النظر عن هذا لماذا ذكر هذا والمسألة مرتبطة بالدين ولا ترتبط ببناء الكعبة؟

الجواب: ذكرنا هذه المسألة لا لموضوعية في بناء إبراهيم للكعبة، إنما قضية بناء إبراهيم للكعبة صارت مبدأ للحنيفية وهي ملة إبراهيم الخليل، بدأت الحنيفية تنتشر في الجزيرة العربية بعد بناء إبراهيم للكعبة واستمرت الحنيفية في مكة والحجاز وما يتبعها، لذلك يقول القرآن: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 68]

ثم ذكرنا في نفس المحاضرة أن الدليل على أن الدين سماوي هو القرآن الكريم، القرآن الكريم جمع أبعاد لم يجمعها كتاب سماوي، جمع البعد التاريخي والبعد التشريعي والبعد التربوي والبعد القانوني والبعد العلمي، ولم يأتِ كتاب سماوي جمع هذه الأبعاد كما جمعها القرآن الكريم، هذا هو الدليل على أن دين النبي دين سماوي. وأما مسألة بناء إبراهيم للكعبة ذكرناها من أجل بيان أن الحنيفية التي انتشرت في الجزيرة العربية وكان النبي على تلك الحنيفية بدأت من بناء إبراهيم للكعبة المشرفة.

المحور الثاني: الأسئلة المتعلقة بالفكر الديني.

السؤال الأول: ما هو الفرق بين الحقوق والأخلاق؟ ذكرتم في ليلة من الليالي أن هناك فرق بين الحقوق والأخلاق مع أن بعض الحقوق لا ضمان لها، من حق المسلم على المسلم أن يسلم عليه وإذا لم يسلم عليه فلا ضمان، من حق الجار على الجار أن يدعوه ويحترمه ولو لم يفعل فليس عليه ضمان، ليس كل الحقوق عليها ضمان، وأنتم قلتم الفرق بين الأخلاق والحقوق أن الحقوق عليها ضمان جزائي والأخلاق ليس عليها ضمان جزائي؟

الجواب: عندنا أربع مفردات لابد أن نفرق بينها وهي الآداب والأخلاق والحقوق والأحكام، فأما الآداب مثل آداب الطعام، آداب احترام الضيف، آداب السلام على المسلم، وهي مستحبات راجحة في الشريعة الإسلامية ولا ربط لها بالأخلاق والحقوق.

والأخلاق هي ما يمدحه المجتمع العقلائي أو يذمه، العدل يمدحه المجتمع العقلائي، والظلم يذمه المجتمع فنسميه أخلاق، الصدق يمدحه المجتمع العقلائي، والكذب يذمه المجتمع العقلائي، ونسميه أخلاق، نعم ذكر العلماء أن حسن العدل وقبح الظلم علة تامة، بينما حسن الصدق وقبح الكذب اقتضائي لا على نحو العلية التامة، وهذا شيء مبحثه في كتب الكلام وأصول الفقه ولا ندخل فيه.

المهم أن الأخلاق هي الأفعال التي يمدحها المجتمع العقلائي أو يذمها.

نحن أحياناً نحفظ أحاديث ولكن لا أصل لها مثلاً ما نسب إلى الإمام أمير المؤمنين علي : لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم. ما وجدنا لهذا الحديث أصل، منسوب إلى الإمام علي ولكن لم نجد مصدر حديثي موثوق به نعتمد عليه على أن هذه كلمات الإمام علي، ألحقه بعض شراح نهج البلاغة بنهج البلاغة ولكن الأوائل الذين كتبوا نهج البلاغة لم يذكروه.

ومثلاً ما ننقله عن النبي محمد : تفاءلوا بالخير تجدوه. لا أصل له عند الشيعة ولا عند السنة، كلام لبعض المتصوفة بينما هو منسوب إلى النبي .

وهناك بعض الروايات أو الأحاديث نتيجة انتشارها وشيوعها نظن أن لها أصل فننسبها إلى الإمام علي أو الرسول وليس لها أصل.

والمفردة الثالثة هي الحقوق، نتكلم عن الحقوق بالمصطلح الفقهي لا اللغوي أو الأدبي، كل ما له ضمان جزائي فهو من الحقوق، الأمانة إذا فرّط فيها الإنسان لها ضمان جزائي فهي من الحقوق، نفقة الزوجة على الزوجة من الحقوق لأن لها ضمان إذا فرط فيها الإنسان، حق الإنسان في الحياة له ضمان لو قتل الإنسان هناك ضمان، كل ما له ضمان جزائي بحسب المصطلح الفقهي لا بحسب المصطلح الأدبي والكلامي هو من الحقوق، ويختلف عن الاخلاق.

المفردة الرابعة هي الأحكام الشرعية، مثلاً يجب احترام الوالدين، إذا سلم عليك المسلم يجب رد السلام، هذه أحكام شرعية لا ندخلها في الآداب ولا في الأخلاق ولا في الحقوق وإنما تدخل تحت مفردة الأحكام، هذا بحسب المصطلح الفقهي.

السؤال الثاني: هناك الكثير من منهجيات البحث لإجراء البحوث والأكثر منطقية منها بالنسبة لي هو العقلانية النقدية لكار بوبير، فما هي طريقة الإمامية في مقاربة البحث؟

الجواب: الفلسفة النقدية في الفكر الإمامي تعتمد على عناصر أربعة:

العنصر الأول: منهجية البحث.

أولاً تحرر ما هو محل البحث، ثانياً تحرر ما هو تاريخ البحث، ثالثاً تحرر نتائج هذا البحث، مثلاً عندما نريد أن نبحث عن الحرية، هل الحرية قيمة إنسانية أم لا؟ أولاً نحرر لماذا نبحث عن الحرية، ثانياً نذكر تاريخ البحث عن الحرية، ثالثاً نذكر ما هي النتائج التي تترتب على قيمة الحرية؟

هذه الأسئلة الثلاثة تسمى منهجية البحث.

العنصر الثاني: متى تكون النظرية نظرية علمية؟

إذا امتلكت خاصيتين:

  •  الخاصية الأولى: قابليتها لتفسير الظواهر.
  •  الخاصية الثانية: قابليتيها للتطبيق.

مثلاً كل ماء تبلغ درجة حرارته 100 فإنه يغلي، وتعتبر نظرية علمية لأن فيها خاصيتين، الخاصية الأولى أنها تفسر الظواهر، فلو جمعت مليون فرد من الماء ووصلت درجة حرارتهم إلى 100 ستجد هذه الدرجة تولد الغليان فهذه نظرية صالحة لتفسير الظواهر. والخاصية الثانية أنها قابلة للتطبيق، أن يقوم الإنسان بتطبيقها على أرض الواقع.

العنصر الثالث: الفرز بين المصطلحات.

المنهج الإمامي يركز على الفرز، عندما تتكلم عن الإنسان لابد أن تفرز ما هو العنصر الذاتي في الإنسان، والعنصر العرضي للإنسان، والفرق بين الذاتي والعرضي لابد منه في منهجية البحث، العقل عنصر ذاتي في الإنسان، أما الضحك أو التعجب أو التأمل هي عناصر عرضية وليست عناصر ذاتيه في الإنسان، مثلاً لابد أن تفرق بين المفهوم والمصداق، الآن بحسب الطرح الأكاديمي إذا قيل العلم يقصد به العلم التجريبي، ولكن العلم لا ينحصر في العلم التجريبي، العلم التجريبي مصداق من مصاديق العلم، أما العلم فإنه يشمل العلم التجريبي، الفلسفة، الأدب، الشعر.... هذه كلها مهارات تحتاج إلى علم وأدوات وعناصر تعدها حتى تكون علماً من العلوم، العلم لا ينحصر في العلم التجريبي هذا خلط بين المفهوم والمصداق.

العنصر الرابع: تحديد الدليل.

الدليل الذي يستخدمه الإنسان هل هو من قسم القياس أو هو من قسم الاستقراء، هل القياس منتج أو غير منتج، هل الاستقراء ينتج الوثوق واليقين أو لا ينتج إلا الظن.

كل هذه العناصر الأربعة تعد الطريقة الإمامية المبنية على علم الفلسفة وعلم المنطق في بيان وتحديد الفلسفة النقدية.

السؤال الثالث: ما هو الفرق بين علم النفس الغربي والإسلامي؟

الفرق في المحورية، المحورية لعلم النفس في الغرب بمدارسه التحليلية، والسلوكية، والاستبطانية، أو علم النفس الحديث الذي ينشق منه علم النفس الاجتماعي، وعلم النفس المعرفي..... عدة شقوق وتفصيلات. علم النفس في الغرب محوره الإنسان، بينما علم النفس الإسلامي محوره الله، الفرق في المحورية والمركزية هو الفرق بين الاتجاهين.

نحن دائماً نجعل المحور في علم الاجتماع، في علم النفس، في علم الأخلاق المحورية لخالق الإنسان، بينما في العلوم الإنسانية الغربية المحورية للإنسان نفسه وهذا يوجب فرقاً كبيراً بين الاتجاهين وبين النسقين.

السؤال الرابع: كيف يمكننا تطوير علم النفس في الغرب باستعمال علم القرآن؟

نحن عندما نذكر المفكرين في عالم الشيعة نقول في طليعتهم السيد محمد باقر الصدر، والسيد محمد حسين الطباطبائي صاحب تفسير الميزان، والشيخ مرتضى المطهري، نذكر هؤلاء في الطليعة، هم بلا إشكال مفكرون دخلوا حقل الفلسفة، ولكن هناك مفكرين في حقول أخرى، التفكير ما انحصر في حقل الفلسفة، نعم السيد الشهيد السيد محمد باقر الصدر، والسيد الطباطبائي، والشيخ مرتضى المطهري مفكرون في هذا المجال مجال المقارنة بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية، وقد أبدعوا ولكن عندنا مفكرين في مجالات أخرى، ومن المفكرين في المجالات الأخرى التي لا تُذْكر الدكتور محمود البستاني صاحب كتاب «دروس في علم النفس الإسلامي» وضع لمسات وبصمات في علم النفس الإسلامي لم يسبقه سابق، وهذه طاقة تذكر ضمن المفكرين.

إذا رجعت إلى كتاب الدكتور محمود البستاني «دروس في علم النفس الإسلامي» تجده يناقش المدرسة التحليلية، والمدرسة السلوكية، ويتحدث عن المدرسة الإسلامية في مجال علم النفس، يذكر أن من الحاجات الأساسية التي أطبق عليها علماء النفس هو حاجة الإنسان إلى الانتماء، يحتاج أن ينتمي الإنسان إلى أسرة، لولا الانتماء لشعر بالخوف والقلق. حاجة الإنسان إلى الحب، لو لم يشعر بالحب لشعر بالنقص فيتراجع. حاجة الإنسان إلى التقدير أن تُقدَّر جهوده وتُقدَّر مشاريعه، لو لم تُشبَع هذه الحاجة لشعر بالإحباط.

إذن هناك حاجات ثلاث: الحاجة إلى الحب، الحاجة إلى التقدير، الحاجة إلى الانتماء. في كتاب «دروس علم النفس» يثبت الدكتور محمود البستاني أن العلاقة مع الله تشبع هذه الحاجات الثلاث بلا شيء آخر، العلاقة القويمة مع الله ستشبع حاجتك إلى الانتماء، يكفيك الانتماء إلى الله، حاجتك إلى الحب، يكفيك الحب المتبادل بينك وبين الله ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: 31] حاجة الإنسان إلى التقدير تشبعها العلاقة مع الله ﴿نَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10]

السؤال الخامس: أريد أن أكتب بحثاً حول دمج المفاهيم الروحية في التدريب الرياضي فما هو تعليكم على ذلك؟

يذكر الفلاسفة مثل ملا صدره الشيرازي وغيره أن النفس هي نتيجة الحركة الجوهرية في المادة، المادة «النطفة» تحركت، ولَّدت هذه الحركة الجوهرية في صميم المادة النفس، بما أن النفس نتيجة للحركة الجوهرية في المادة إذن أي تأثير على المادة سينعكس على النفس لا محالة، ما دامت النفس نتيجة حركة جوهرية في صلب المادة فإن أي أثر على المادة سينعكس على النفس، الجسم الكسول نفسه كسوله، الجسم المريض نفسه مريضة، الجسم الرياضي المنفتح على الحركة روحه متحركة، أيُّ أثر على هذا الجسم ينعكس على النفس نفسها لأنها نتيجة الحركة الجوهرية لعالم المادة، لذلك يمكن دمج المبادئ الرياضية ببعض المبادئ الروحية التي تنعش النفس وتولد فيها النشاط والتجديد في طاقة الحركة باعتبار العلاقة الوثيقة بين النفس وبين البدن.

السؤال السادس: تعرضتم لفطرية الدين وقلتم أن الدين أمر فطري ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: 30] واستدللتم بأقوال ثلاثة علماء من الغرب: الدكتورة كاتي، والفيلسوف الألماني شلايرماخر، والفيلسوف رودولف أوتو، وقد تكلموا عن فطرية الدين، ولكن هناك علماء آخرون يقولون بأن الدين ليس فطري كأمثال سارتر، حيث يقول: مبدأ التيار الوجودي لا يؤمن بفطرية الدين، إذن هناك اتجاه غربي ينكر فطرية الدين فلماذا لم تقارن بين الفكرين أو الاتجاهين؟

ذكرنا تلك الليلة وقلنا أن فطرية الدين ليس بالضرورة أن نفس الدين هو فطري، لكن الميل الغريزي الفطري يقود إلى الدين مثلاً كل علماء النفس يقررون أن من الميول والنزعات الفطرية في الإنسان الفضول المعرفي، كل إنسان عنده فضول معرفي، حتى الطفل وهو يرضع عنده فضول معرفي، يريد أن يتعرف على أمه وما حولها وما بعدها، وأهم الأسئلة الفطرية التي تنحدر من الفضول المعرفي ثلاثة أسئلة: من أين جئت؟ وإلى أين سأذهب؟ وما هو الطريق؟ كل إنسان عنده هذه الأسئلة الفطرية، إيليا أبو ماضي شاعر المهجر تكلم عن هذه الأسئلة الفطرية وطرحها بعبارات أدبية، يقول:

وطريقي ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟

هل  أنا  أصعد  أم أهبط فيه وأغور؟

أأنا السائر في الدرب أم الدرب iiيسير

ام   كلانا   واقف   والدهر   iiيجري؟

لسـت                           أدري

بما أن الفضول المعرفي أمر فطري وأهم الأسئلة الفطرية هي هذه الأسئلة الثلاثة والدين يجيب عن هذه الأسئلة الفطرية جواباً حاسماً إذن الفضول المعرفي يقود إلى الدين، من هنا نستطيع أن نقول بفطرية الدين؛ بمعنى أن الفضول المعرفي الفطري يقود إلى الدين ومعرفة أجوبته عن هذه الأسئلة الفطرية.

أو عندما نقول مثلاً أن من الأمور الفطرية في الإنسان عشق الجمال، والجمال درجات، جمال الصورة، جمال الأخلاق، جمال المعاني، كلما تطورت في الجمال ستصل إلى أعلى درجات الجمال وهو الجمال المطلق، الجمال اللامحدود، وهو الله تبارك وتعالى، عشق الجمال يقودك إلى الجمال المطلق اللامحدود وهو الله تبارك وتعالى.

 السؤال السابع: دائماً ما تعبرون عن الغرب بأنه حضارة، ولكن ليس هناك حضارة في الغرب هناك مدنية لا حضارة، وفرق بين المدنية والحضارة.

نقول في الغرب هناك حضارة، المصطلح الأكاديمي في الفرق بين الحضارة والمدنية ينطبق على الغرب، المدنية عبارة عن التطور التكنولوجي لوسائل الحياة، الأجهزة والسيارات ووسائل التواصل.... إلخ، هذا التطور التكنولوجي يسمى مدنية، ولكن الحضارة هي التي تعتمد على أركان أولها الاقتصاد، والثاني أن يكون لها فلسفة للحياة تعتمد عليها، والثالث: أن يكون لها منهج بناء، كيف تبني مجتمعها وثقافتها.

الغرب لديه منهج بناء ولديه اقتصاد وهو الاقتصاد الرأسمالي، صحيح أن المذهب الرأسمالي الاقتصادي كما ذكر السيد الشهيد محمد باقر الصدر في كتابه اقتصادنا أن المذهب الرأسمالي الاقتصادي ليس له فلسفة للحياة بخلاف الاقتصاد الاشتراكي الماركسي، ولكن الآن الغرب لا يعتمدون على المذهب الرأسمالي كأساس للحضارة وإنما يعتمد عليه في المجال الاقتصادي فقط، أما الحضارة الغربية فهي قائمة على فلسفة اللبرلة والحداثة وما بعد الحداثة، إذا قرأت الغرب من خمسة قرون إلى الآن تكتشف أن الغرب اعتمد في مسيرته على فلسفة للحياة وهي فلسفة ما قبل الحداثة والحداثة وما بعد الحداثة التي أنتجت اللبرلة، ونتيجة الليبرالية الآن يدخل الغرب في تجاوز الخطوط الإنسانية الحمراء لأنها نتاج فلسفة اللبرلة بحسب نظره.

إذن الغرب عنده اقتصاد، وعنده فلسفة للحياة، وعنده منهج للبناء فهو حضارة بحسب المصطلح الأكاديمي، نعم الإسلام أيضاً حضارة ولكن له مرئيات ومنهجيات أخرى، فلابد من المقارنة بين الحضارتين.

 المحور الثالث:

ذكرنا في الليالي السابقة وصايا المرجعية العليا المتمثلة في سيدنا الأستاذ السيد السيستاني مد ظله الشريف، وأحب أن أبين أن السيد السيستاني دام ظله مثقف بدرجة عالية وليس فقيهاً فقط، قارئ بمعنى الكلمة، آلاف الكتب قد قرأها، عنده ثقافة متنوعة وقد كان ذلك واضحاً منذ أن حضرت درسه في سنة 1986م فهو ليس عالماً فقط في الفقه وأصول الفقه وعلم الكلام، بل يحمل ثقافة متنوعة، وهذه الثقافة المتنوعة انعكست على قراراته وفهمه للحياة وإدارته للأمور نتيجة هذه الثقافة المتنوعة التي يمتلكها، فمن الطبيعي أن تصدر هذه الوصايا والنصائح تبعاً لشخصيته المتنوعة الملمة بعدة علوم وعدة معارف.

وذكرنا في تلك الليلة أن هناك رواية يذكرها بعض الخطباء وهي أن ملك الموت اعتذر عن قبض روح الإمام الحسين ، الله تبارك وتعالى أمر ملك الموت بقبض روح الإمام الحسين ولكن ملك الموت اعتذر وقال لا أستطيع أن أقبض روح الحسين، فقبض الله سبحانه وتعالى روح الحسين بشكل مباشر من دون وساطة ملك الموت ولا مخلوق آخر، وهذا من خصوصيات الإمام الحسين.

ونحن في تلك الليلة ذكرنا أن هذه الرواية ليست رواية معتبرة ولا يعتمد عليها، والروايات هنا ثلاث:

1. الرواية الأولى: نقلها الشيخ حبيب الله الكاشاني في كتابه الشهير «تذكرة الشهداء، مقتل الإمام الحسين»، وفي الكتب السابقة لا توجد هذه الرواية وهو رجل متأخر من أعلام القرن الثالث عشر الهجري، أي قبلنا بقرنين من الزمن، ذكر هذه الرواية أن ملك الموت اعتذر إلى الله تبارك وتعالى عن قبض روح الإمام الحسين ، وهو نفسه الشيخ عبَّر بقول: وفي بعض الأحاديث الضعيفة عن الصادق ، وذكر عدة روايات ومنها هذه الرواية الشريفة.

2. الرواية الثانية: وهي رواية متينة مشهورة موجودة في كامل الزيارات، وهو كتاب عظيم لمحمد بن قولويه وهو من علمائنا الكبار، ذكر في هذه الرواية حديث العقيلة زينب مع زين العابدين، لما رأت العقيلة زينب زين العابدين يجود بنفسه حينما حُمِل على الناقة، أرادت أن تثلج قلبه وتهدئ من روعه فذكرت له ما سمعته من أبيها أمير المؤمنين ، فكان مما سمعته عن أبيها «فإذا برزت تلك العصابة إلى مضاجعها تولى الله عز وجل قبض أرواحها بيده، وهبطت إلى الأرض ملائكة من السماء السابعة معهم آنية من الياقوت والزمرد مملوءة من ماء الحياة وحلل من حلل الجنة وطيب من طيب الجنة فغسلوا جثثهم بذلك الماء وألبسوها تلك الحلل»

هذه الرواية الشريفة المنقولة عن زائدة وأغلب رواتها مجاهيل لا توثيق لهم، وإن كانت مروية في كتاب عظيم وهو كتاب كامل الزيارات.

3. الرواية الثالثة: ذكرها صاحب كتاب مئة منقبة من مناقب أمير المؤمنين[1] ، قال: حدثني إبراهيم بن محمد قال حدثني..... عن مجاهد عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله يقول: لما أسري بي إلى السماء لقيت إسرافيل وميكائيل وملك الموت عزرائيل، قال ملك الموت للرسول: ما خلق الله تعالى خلقاً إلا وأنا أقبض روحه بيدي ما خلا أنت وعلي بن أبي طالب، فإن الله جل جلاله يقبض أرواحكما بقدرته.

هذه الرواية إذا أخذنا بها فإن معناه أن الحسين قبض روحه ملك الموت لأن هذه الرواية حصرت الرسول وعلي بن أبي طالب، فهذه الرواية تعارض تلك الرواية التي تقول «فلما برزوا إلى مضاجعهم تولى الله قبض أرواحهم بيده»، مضافاً إلى ضعفها سنداً

نعم مثلاً القرآن الكريم فعل واحد يسنده تارة إلى الله وتارة إلى غيره، يقول في آية: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: 42] ويقول في آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [السجدة: 11]

ويقول في آية: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: 10] ويقول في آية أخرى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ «193» عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ «194» بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ «195» [الشعراء: 193 - 195]

في آية يقول: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ «25» ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ «26» [الغاشية: 25 - 26] والإمام في زيارة الجامعة يقول: وإياب الخلق إليكم، وحسابهم عليكم.

نقول علة العلل والمصدر الأول للوجود والإفاضة هو الله، فكل الأمور ترجع إليه، وهو علة العلل، وهو المصدر للإفاضة والوجود، وكل شيء يرجع إليه، نعم هناك أمور وشؤون يكون فيها الملائكة بمنزلة الأدوات، هو المصدر، وهو القابض، وهو الباسط، وهو المتوفي، وهو المحيي، وهو الذي يتوفى الأنفس، وهو الذي يقبض الأرواح بيده ولكن هناك واسطة بمنزلة الأداة بينه وبين الجسم، الجسم مادي، وفصل الروح عن الجسم عملية مادية، هذه العملية المادية تحتاج إلى وساطة، وهذه الوساطة تحمل عنصر مادي وعنصر غير مادي ألا وهو الملك، فالملك هو الموكل بفصل الروح عن الجسد، الله هو المصدر الأول، والملك بمزلة الأداة، فلو صحت هذه الروايات أن ملك الموت لم يقبض روح الحسين فإن هذا لا يعني أنه لا توجد واسطة أخرى بين الله وبين هذا العمل، لأن هذا العمل يحتاج إلى أداة أو واسطة مادية، لا لقصور في الفاعل  كما يقال في الفلسفة  بل لقصور في القابل، العمل نفسه يحتاج إلى الوساطة.

[1] ص33

الدور العاطفي للإمام السجاد عليه السلام
حوار هادف | الجزء الأول