نص الشريط
حوار هادف | الجزء الأول
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 13/1/1445 هـ
مرات العرض: 70
المدة: 01:19:09
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (33) حجم الملف: 27.1 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ «17» الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ «18» [الزمر: 17 - 18]

صدق الله العلي العظيم

انطلاقاً من الآية المباركة سوف يكون حديثنا حول مجموعة من الأجوبة تجاه مجموعة من الاستفهامات والأسئلة المتعلقة بمحاضرات العشرة الأولى من محرم هذا العام 1445هـ، وسوف نجيب هذه الليلة عن الأسئلة المتعلقة بخمس ليالٍ من ليالي عشرة محرم الحرام، ونبدأ بما وردنا حول الليلة الأولى من القراءة:

ذكرتم أن الدين هو الذي يوفر للإنسان الأمن والاطمئنان دون بقية الإيديولوجيات، وذكرتم أن الدين هو الضمان لتحقيق الأخلاق في الإنسان، ولكن قد يقال أن تحصيل السكون والاطمئنان لا يتوقف على الدين إذ يمكن أن يحصل الإنسان على السكينة والاطمئنان من خلال الاسترخاء والتأمل في الطبيعة ومحاولة نسيان الهموم، فلا يتوقف حصوله على الهدوء والاطمئنان على الدين، كالصلاة مثلاً.

كما أن الأخلاق يمكن أن تُضمن من خلال علم الأخلاق، فيكون للإنسان أخلاق جميلة تجاه جاره، تجاه صديقه، تجاه من يتعامل معه وإن لم يكن ذا دين، بل قد يقال أن الدين هو الذي يبعث في الإنسان الخوف، وهو الذي يغرس في الإنسان القلق، لأن الدين دائماً يصور الإنسان على أنه مقصر تجاه ربه، ودائماً يحث الإنسان على الحسرة والندم نتيجة الذنوب والمعاصي، وهذا يوجب أن تكون شخصية الإنسان شخصية قلقة، شخصية يدب فيها الخوف نتيجة المعاصي والذنوب، أو بعض الأخطاء التي يرتكبها الإنسان.

أولاً: هناك فرق بين السكون لمصدر الوجود والسكون لأجل اللذة، الإنسان عندما يسترخي في الطبيعة الهادئة أو يتأمل فيها أو يستمع للموسيقى أو ما أشبه ذلك يحصل له نوع من السكون العابر بسبب اللذة التي يحصل عليها، ولكن هذا السكون ليس بالمستوى الذي يستوفيه الإنسان عندما تنشأ علاقة بينه وبين مصدر الوجود، لاحظوا مثلاً أن احتضان الأم يبعث درجة من الاطمئنان والهدوء لا يوفره مهد آخر، لشعور الإنسان أن هذا الشخص هو مهد وجوده وهو حضن وجوده فترة من الفترات، كذلك وقوف الإنسان بين يدي ربه، وهو يمتلك هذا الشعور أنه يقف أمام مصدر الوجود الذي أمده بالوجود وهو القادر على دفع الآلام والآفات، وهو القادر على حمايته حماية تامة دون أي موجود آخر، هذا يعطيه حالة من الاطمئنان والسكون ما لا يوفره استرخاء في الطبيعة، أو استماع لموسيقى أو أي شيء آخر، ولذلك يقول القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]

ثانياً: عندما نقول بأن الدين ضمان للأخلاق لماذا يكون الدين ضمان دون علم الأخلاق، دون أي إيديولوجية أخرى؟ لأن الدين يحول الأخلاق إلى حقوق، يحول الأخلاق إلى مسؤولية، الدين لا يرى الأخلاق مجرد استحسانات وكمالات وتألقات كما يوحي بها كثير من علماء التربية أو علماء الأخلاق، بل الدين يحول الأخلاق إلى مسؤولية قانونية حقوقية، للجار حق قانوني عليك، وللصديق حق قانوني عليك، حتى الجنين له حق قانوني على أبويه، والميت له حق قانوني على من يقوم بتجهيزه، الدين يحول الأخلاق إلى حقوق ومسؤوليات قانونية، وهذا ما يعطي الدين بُعداً لا يوجد في غيره ألا وهو كون الدين ضماناً لاستمرار الأخلاق وبقائها.

ثالثاً: عندما يقال بأن الدين هو الذي يبعث على الخوف والحزن لأنه يركز على التوبة والإنابة والرجوع إلى الله والندم والحسرة، وهذا لا ينسجم مع منطق الاستقرار والاطمئنان، نجيب عن ذلك ونقول: في علم النفس يوجد فرق بين قيمتين ومفردتين، مفردة الإحساس بالنقص، ومفردة تقبل الواقع، فلا نخلط بين القيمتين.

المفردة الأولى سمة مرضية، وهي الإحساس بالنقص الناتج عن عدم الثقة بالقدرات والطاقات، مثل الإنسان عندما يدخل قاعة الامتحان وهو غير واثق بنفسه، ويشعر بالنقص في ذاته وقدراته، نعم هذه سمة مرضية تبعثه على الخوف والقلق، ولأجل أنها سمة مرضية فإن الدين ينقد مثل هذه الحالة في النفس.

وأما المفردة الثانية وهي تقبل الواقع، فإن تقبل الواقع لا يبعث في الإنسان الخوف والقلق، وإنما يبعث الحذر والعقلانية، وهي سمة صحية وليس سمة مرضية، مثل التاجر عندما يرى أن الاقتصاد انهار، يرى أن السوق انهارت هذا واقع لابد أن يتقبله، تقبل الواقع يدفع بهذا التاجر إلى أن يعيش حالة الحذر، حالة الحفاظ على الثروة، حالة عقلانية، ولذلك تقبل الواقع هي سمة صحية وليس سمة مرضية.

هذا هو الفرق، ومن هنا نقول إن الدين عندما يقول للإنسان اعترف بذنبك، اعترف بخطئك أمام ربك وتراجع عن هذا الخطأ هو لا يدعو إلى الإحساس بالنقص الذي هو سمة مرضية، هو يدعو إلى تقبل الواقع الذي يجدد في الإنسان شخصية أخرى، وهي شخصية الانفتاح على الطاعة والانفتاح على القربات، لأنه اعترف بخطئه وتحرر من قيود الذنوب والمعاصي، هذا ليس بعثاً على الخوف وإنما هو إشادة بالإنسان أن يكون في أفق تقبل الواقع، لهذا القرآن الكريم يقول: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا [الأعراف: 56]، ويقول: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء: 90] التوازن هو نتيجة تقبل الواقع، لهذا ورد في الحديث الشريف: لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتى يعمل لما يرجو ويحذر ما يخاف.


في الليلة الثانية كان حديثنا حول ترتيب آيات القرآن الكريم وذكرنا أن ترتيب آيات القرآن الكريم خضع لإمضاء المعصوم ، وليس هناك تغيير في ترتيب آيات القرآن الكريم، وهنا وردنا سؤالان متعلقان بمحاضرة ترتيب القرآن الكريم:

سلمنا بأن ترتيب القرآن هو ترتيب صحيح وخضع لإمضاء المعصوم ولكن هناك مشكلة أخرى وهي مشكلة اختلاف القراءات، فإن اختلاف القراءات يوجب اختلافاً في المعنى القرآني، فنتيجة اختلاف القراءات سينفتح علينا باباً أردنا أن نتخلص منه عندما قلنا بأن ترتيب آيات القرآن هو ترتيب شرعي صحيح، ولكن انفتح علينا باب ألا وهو باب اختلاف في القراءة.

هنا زاويتان:

الزاوية الأولى: ذكرها السيد الخوئي قدس سره في كتابه البيان في تفسير القرآن[1]  قال: إن القراءات المعروفة في أزمنة الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قراءات أمضاها الإمام لأنه ورد عن الإمام الصادق يقول: اقرأ كما يقرأ الناس. القراءة المعروفة بين الناس إلا القراءة الشاذة منها؛ وهي ما ينص القراء على أنها قراءة شاذة مثل القراءة بالفعل الماضي «مَلَكَ يوم الدين»، أو القراءة المغلوطة مثل «إنما يخشى اللهُ من عباده العلماء» والصحيح «إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء» هذه قراءة مغلوطة لا يجوز القراءة بها حتى لو وردت عن بعض القراء.

الزاوية الثانية: صحيح أن بعض القراءات تُحدث اختلافاً في المعنى لكن هذا الاختلاف مساحته جداً بسيطة ولا يؤثر على جوهر معنى الآية، مثلاً قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ [الواقعة: 29] أو قول «وطلع منضود» الطلح هو الموز، والطلع هو أول ظهور للرطب ويعبر عنه بالطلع.

والطبري ينقل في تفسيره عن الإمام علي أنه قال: اقرأ طلع منضود. المهم سواء كان طلعاً أو طلحاً فإن ذلك لن يغير جوهر معنى الآية، هو بالنتيجة ثمرة من الثمار التي هي مظهر لإبداعه وقدرته تبارك وتعالى، صحيح اختلف المعنى لكن هذا الاختلاف لم يؤثر على جوهر معنى الآية المباركة.

إذن لهذا أمضى الأئمة القراءات المختلفة في أزمنتهم إذا كانت قراءات معروفة باعتبار أنها في إطار المحافظة على جوهر معاني الآيات المباركات.

ذكرتم في تلك الليلة رواية وعبرتم عنها بأنها رواية معتبرة، وهي رواية سالم أبي سلمة أنه دخل رجل على الإمام الصادق وقرأ عنده بعض الحروف غير ما يقرؤه الناس، فقال له الإمام اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فيُخرج مصحف علي ويقرأ المصحف على حده.

ولكن هذه الرواية تعني أن المصحف الذي نحن الآن نقرؤه ونتلوه ونحفظه لن يقبله القائم وسيخرج مصحف آخر ويأمرنا بقراءته، فإذن نحن ذهبنا إلى نفس المشكلة وهي مشكلة التحريف؟

ليس هناك تحريف، متن القرآن كما هو لا زيادة ولا نقصان سواء في مصحف الإمام علي أو في المصحف المعروف عندنا، هو هو بلا زيادة ولا نقص، الاختلاف في طريقة الترتيب فقط وذكرنا ذلك في تلك الليلة، قلنا مصحف الإمام علي رُتب على طبق أزمنة النزول، فهو لا يختلف عن المصحف الموجود متناً وإنما يختلف ترتيباً، فكوننا نقرأ مصحف الإمام علي على طبق أزمنة النزول هذا لا يعني خللاً وإنما هو قراءة بنحو آخر على ضوء ترتيب آخر، وهذا لا يوجب النسبة والوصول إلى التحريف.


في محاضرة الليلة الثالثة تحدثنا عن فقه المقاصد وذكرنا هل لفقه المقاصد وجوداً في المنهج الحوزوي الفقهي أم لا، تحدثنا عن هذه النقطة فجاءتنا عدة أسئلة مرتبطة بمحاضرة تلك الليلة:

قلتم بأنه لا نرى فقه المقاصد لأنه قد يكون أمراً ظنياً، المذهب الحنفي يرى القياس، ويرى سد الذرائع، ويرى المصالح المرسلة، بينما الفقه الإمامي لا يقبل ذلك وهذه أمور ظنية لا نقبل بها، ولكن الفقه الإمامي أيضاً يأخذ بإلغاء الخصوصية وتنقيح المناط وهذه أيضاً أمور ظنية، مثلاً عندنا رواية «من أدرك ركعة من الفجر أو من الغداة فقد أدرك الوقت» ويأتي بالركعة الثانية بعد الشروق، والصلاة تعتبر صحيحة، والفقهاء عمموها لكل الصلوات، مثلاً في صلاة العصر تتوضأ إذا أمكن الوضوء وإذا كان الوقت لا يسمح بالوضوء فتتيمم، تصلي ركعة من العصر وتتبعها ببقية الركعات وتعتبر أدركت العصر في الوقت، عمموا ما جاء في الفجر إلى العصر، يقال أن هذا أمر ظني فكيف قبلوا هذا التعميم مع أنه أمر ظني؟

أو مثلاً تنقيح المناط، مثلاً الروايات نهت عن إعطاء شارب الخمر قسماً من الزكاة، جملة من الفقهاء عمموها لغير شارب الخمر، كل من يحتمل أن يستخدم الزكاة في شراء المحرم أو ترويج المعصية لا يعطى من الزكاة، وأن الحكم ليس له خصوصية بشارب الخمر، وعبروا عن ذلك بتنقيح المناط.

أيضاً بعض الفقهاء الكبار ذهب إلى حلية الشطرنج، بينما المشهور عند فقهاء الإمامية أن الشطرنج محرم، ولكن بعضهم قال لا، عندما أقرأ الروايات أقوم بتنقيح المناط، وظاهر الروايات أن المناط في حرمة الشطرنج أنه أداة قمار، فإذا انسلخ الشطرنج عن كونه أداة قمار خرج عن هذه الحالة، خرج عن هذا المناط فأصبح أداة لتحريك العقل، وتنشيط الذهن، إذن هو جائز، هذا يسمى بتنقيح المناط، وهذا أمر ظني، والإمامية يقبلون مثل هذه المحاولات الظنية.

هناك فرق بين القياس وبين هذه المحاولات التي ذكرناها، القياس هو عبارة عن تعدية الحكم من موضوع إلى موضوع لوجود مشابهة بين الموضوعين، من دون دلالة من نفس النص ومن نفس اللفظ على هذه التعدية، وهذا منهي عنه «لا تقس الدين برأيك إن أول من قاس إبليس قال: خلقتني من نار وخلقته من طين» كما ورد عن الإمام الصادق، وهذا عمل ظني لم يستند إلى دلالة لفظية، وهذا منهي عنه.

أما إلغاء الخصوصية أو تنقيح المناط أو ما أشبه ذلك من المحاولات فإن هذه المحاولات هي عبارة عن الاستناد إلى دلالة لفظية، نستند إلى اللفظ نفسه فنقول في اللفظ دلالة بالمطابقة، بالالتزام، في اللفظ دلالة على التوسعة، في اللفظ دلالة على الخروج عن هذه الدائرة الحرفية من النص، فإذا كان في اللفظ دلالة فهو من الظهور، والظهور العرفي العربي مما يعمل به العقلاء في كل زمان، فالعمل بالظهور حجة يعتمد عليه ويؤخذ به.

بحسب المصطلح الحوزوي هناك فرق بين إلغاء الخصوصية، تنقيح المناط، مناسبة الحكم الموضوع وما أشبه ذلك وبين فقه المقاصد، بينما أنتم في تلك الليلة كأنما ساويتم بين فقه المقاصد وبين هذه الموارد.

الجواب الأول: كتاب الفائق في علم الأصول[2]  ذكر أن هناك فرقاً بين فقه المقاصد وهذه الطرق والتي نسميها إلغاء الخصوصية أو تنقيح المناط، هذه الطرق فقط توسع الموضوع للحكم، لكن لا تتحدث عن الهدف من الحكم، بينما فقه المقاصد يعني تحديد الهدف من الحكم، هو يريد أن يحدد الهدف وبعد أن يحدد الهدف يتوسع في الحكم، ففرق بين إلغاء الخصوصية وتنقيح المناط اللذين وظيفتهما توسعة الموضوع للحكم، وبين فقه المقاصد الذي وظيفته اكتشاف الهدف وبعد اكتشاف الهدف يقوم بالتوسعة.

مثلاً عندنا في الفقه من استأجر داراً أو سيارة لا يجوز له أن يؤجرها بأكثر مما استأجر ما لم يحدث فيها حدثاً، فيقوم بتعميم هذا الحكم للبيع، هذا يسمى فقه المقاصد، أنك اكتشفت الهدف من حرمة الإجارة بأكثر دون أن يحدث حدثاً والهدف هو أن لا يصل الربح للإنسان بدون جهد، إذن هذا الهدف ينطبق في البيع أيضاً أن لا يصل الربح للإنسان بدون جهد أو عمل، هذا يسمى فقه المقاصد، يعني اكتشاف الهدف والتوسعة في الحكم على أثر الهدف المكتشف، وهذا يحتاج إلى دليل مقنع أن يرد في اللفظ ما يدل عليه وإلا فلا نقوم به.

الجواب الثاني: لا فرق سواء كان إلغاء الخصوصية من باب توسعة الموضوع أو من باب توسعة المناط كلها تدخل في فقه المقاصد، لأنه متى ما كان الموضوع واسع كشف أن الهدف واسع، متى ما كان المناط أوسع كشف أن الهدف أوسع، لا يتسع موضوع الحكم إلا بسعة الهدف، ولا يتسع مناط الحكم إلا بسعة الهدف، فهذه كلها طرق ستدخل في فقه المقاصد بنحو آخر لأنها تكشف بالنتيجة عن توسعة الهدف.

 

ذكرتم في تلك الليلة أن العلة في عدة المطلقة هو احترام الزوجة، فإذا كانت هذه العلة لماذا تعتد بها المطلقة؟ لماذا هذه العلة لا تشمل المرأة اليائس ولا تشمل المطلقة طلاقاً بائناً؟ لماذا هذه العلة لا تشمل الرجل؟ إذا كانت العلة هي الاحترام للعلقة الزوجية؟

الذي ذكرناه أن احترام الزوجة أو احترام العلقة الزوجية ليس هو العلة التامة التي يدور الحكم مدارها، هي إحدى العلل يعبر عنها في الفقه بالحكمة، قد يكون الحكم الواحد له عدة علل، عدة ملاكات، بعضها يتحقق في موضوع وبعضها يتحقق في موضوع آخر، عن أبي بصير عن أحدهما  عن الصادق أو الباقر عليهما السلام  قال: المطلقة تعتد في بيتها وتظهر له زينتها لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً. وكذلك في الرواية الأخرى قال في معتبرة زرارة عن الصادق : المطلقة تكتحل وتختضب وتتطيب وتلبس ما شاءت من الثياب لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق: 1] لعلها تقع في نفسه فيرجع إليها أو يراجعها.

هذه حكمة من حكم عدة الطلاق التي ذكرناها، ولأجل هذه الحكمة نقول المطلقة إذا كانت يائس لا تنجب، هي امرأة نقطع بعدم الحمل فلا عدة عليها، بينما المطلقة الرجعية إذا احتمل أنها حامل فهنا تأتي علتان: علة تحرز عن أن تكون حامل، والعلة الأخرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.

أما المطلقة البائن طلقها واعتدت ثم رجع إليها بعقد جديد، ثم طلقها فاعتدت، ثم رجعت إليه، ثم طلقها طلاقاً بائناً هذا معناه أنه يريد قطع العلاقة على كل حال حينئذ ينتهي دور هذه الحكمة في أنه لما طلقها ثلاثاً طلاقاً بائناً معناه أراد قطع العلاقة فهذه الحكمة لا تنطبق في المقام.

أما عدم عدة الزوج ففي هذه الفترة التي تعتد فيها المرأة هي فرصة لكليهما ولذلك تعتبر المطلقة الرجعية زوجة، مثلاً يجوز للرجل أن يتزوج أربع لا أكثر فلو كان عنده ثلاث زوجات وواحدة مطلقة طلاق رجعياً لا يستطيع أن يتزوج الخامسة لأنها ما زالت تعتبر زوجة، العدة هي فرصة لكليهما فلأجل ذلك تبقى هذه الحكمة التي نظر إليها الشرع حكمة واضحة في ذات العدة سواء كان طلاقها رجعياً أو كان طلاقها بائناً في الفرض الذي يمكن للزوج أن يرجع إليها ولو بعقد جديد بعد أن تنكح زوجاً غيره.


في الليلة الرابعة بحثنا حول الهرمينوطيقا، وفي هذه الليلة جاءتنا بعض الأسئلة، الأول هو ليس بسؤال بل نقد، قال أن هذا البحث كان بحثاً غير مألوف بين أغلب الجمهور والمصطلح غير واضح في حد ذاته، ولم يسبق تمهيد للبحث في هذا المصطلح حتى يتفاعل الجمهور مع المحاضرة، لأجل ذلك كانت المحاضرة جافة ولم يتفاعل معها الجمهور، فصاحب هذه الفكرة كان يرى أن الأفضل والأرجح عدم طرح هذه المحاضرة التي تتحدث عن الهرمينوطيقا.

نقول: وجهة نظر مقبولة، أي نقد يصل إليَّ شخصياً ويكون نقداً مؤدباً وعلى أسس علمية نقبل النقد لا مشكلة لدينا، وهذه ملاحظة جيدة ووجهة نظر جيدة، إنما نحن تعرضنا للهرمينوطيقا الفلسفية بالذات ولم نتعرض لكل الهرمينوطيقا بكل مدارسها واتجاهاتها، تعرضنا لقسم منها لأن له تأثير خطيراً في تفسير القرآن الكريم وتفسير النصوص، رأينا أن بعض الباحثين المسلمين قد تبناه فرأينا أنه من اللازم أن نتعرض لهذا القسم من الهرمينوطيقا.

 

الهرمينوطيقا تعرف على أنها فن التأويل فلماذا أنتم تمنعون ذلك وباب التأويل مفتوح عند الإمامية، فلماذا لا ينفتح باب الهرمينوطيقا؟

نعم نحن نقبل التأويل، السيد المرتضى له كتاب «حقائق التأويل في متشابهات التنزيل» وتعرضنا في ليلة سابقة إلى الفرق بين الظهور والتفسير والتأويل والاستبطان، تأويل القرآن نحن نقبله كفن من فنون التدبر في القرآن، التأويل نقبله، إنما نقبل التأويل في الآيات المتشابهة، وبأن يكون التأويل نابعاً من اللفظ وليس التأويل المقترح من العقل أو من ذات الإنسان، أن يكون للتأويل منشأ لفظي، أي أن يكون التأويل جمعاً عرفياً بين آيتين من القرآن الكريم، وليس مطلق التأويل.

تعدد القراءات في الهرمينوطيقا واختلاف الفقهاء. اختلاف الفقهاء في تفسير النص مقبول حوزوياً ومشروع، وتعتبرونه من باب تعدد القراءة للنص الواحد، لماذا في مجال الهرمينوطيقا الفلسفية ترفضون تعدد القراءات بينما تقبلون تعدد القراءات على المستوى الفقهي، ما هو الفارق بين هذين القسمين والموردين؟

الفرق بين الهرمينوطيقا الفلسفية والمنهج الفقهي هو محورية المتكلم أو محورية المفسر، نحن في المنهج الفقهي نقول المحورية في تفسير النص للمتكلم بالنص، لابد أن نتجه للوصول إلى مقصود المتكلم ومراده، قد يكون المتكلم الله، وقد يكون المتكلم النبي، أو المتكلم الإمام. حتى النص الأدبي أو النص التاريخي المحورية للمتكلم وما هو مقصوده وما هو مراده ولأجل ذلك اختلاف القراءات في المنهج الفقهي هو اختلاف في تحديد مراد المتكلم، ولأجل أن المحورية للمتكلم تكون القراءة الصحيحة واحدة وبقية القراءات خاطئة، هذه القراءات إحداها صحيحة لأنها أوفق بمراد المتكلم، أوفق بالأدلة اللفظية، وباقي القراءات خاطئة.

نعم نقول عن القراءات أنها علمية، ولكن كونها علمية شيء وكونها صحيحة شيء آخر، هذه القراءات علمية لأنها قامت على أسس علمية، لكن القراءة الصحيحة واحدة لأن مراد المتكلم واحد وليس متعدد، بينما في الهرمينوطيقي الفلسفي المحور للمفسر لا للمتكلم، وبما أن المفسرون مختلفون في ثقافتهم، مختلفون في متبنياتهم إذن هناك قراءات عديدة ولا يوجد بين القراءات صواب وخطأ، هذا هو الفرق بين الموردين.


في الليلة الرابعة من المحرم تكلمنا عن الفتوحات الإسلامية، وهنا ورد علينا سؤالان:

أنت ذكرت أن الفتوحات الإسلامية التي عاصرها الإمام علي كانت بإمضائه إلا أن هذا الإمضاء لم يثبت تاريخياً، ثم ذكرت في نفس المحاضرة أن الإمام علي لعله أيد فتح العراق لأن الإسلام انتشر في العراق قبل أن تُفتح العراق، فأيد الإمام علي فتح العراق لأن المسلمين في العراق استنجدوا بالعاصمة الإسلامية وهي المدينة لتخلصهم من الظلمة آنذاك، فجاء الفتح إنقاذاً لهؤلاء المسلمين وليس غزوا وليس احتلالاً، فمن أين علمنا؟ ما هو المستند التاريخي الذي يدل على أن المسلمين كانوا متواجدين في العراق قبل الفتح؟

ما ذكره البلاذري في كتابه فتوح البلدان أن المسلمين فتحوا العراق عام 637م وكان هناك عدد من المسلمين في العراق قبل الفتوحات.

وفي تأريخ آخر ذُكر أن الرسول محمداً أرسل اثنين من أصحابه إلى العراق عام 611م فأسلم عدد من الناس، وبالطبع فأن رقعة المسلمين ستكبر منذ حياة النبي إلى زمن الخليفة الثاني خصوصاً مع تواصل التجارات والعلاقات، فقد كانت قبائل الحجاز وقبائل العراق متصاهرة ومتداخلة، فنحن ذكرنا ذلك كاحتمال، قلنا أن الإمضاء غير ثابت تاريخياً ولكن لو ثبت فمن المحتمل أن السبب وراء إمضاء الإمام علي لفتح العراق هو انتشار الإسلام في العراق، وأن المسلمين يستنجدون بالعاصمة الإسلامية فجاء الفتح إنقاذاً لهم.

ذكرتم أن العملة الإسلامية صيغت في عهد عبد الملك بن مروان بمشورة الإمام الباقر ، بينما عبد الملك توفي سنة 85 هـ  والإمام زين العابدين لم يُتوفَ إلا سنة 94 هـ  أي أن عبد الملك توفي والإمام السجاد ما زال موجوداً فكيف ذهب الإمام الباقر إلى عبد الملك بن مروان وأشار عليه بالعملة الإسلامية مع وجود الإمام السجاد آنذاك؟

إذا رجعت إلى ما ذكره بعض المؤرخين، ذكر كتاب المحاسن والمساوئ للبيهقي[3]  الرواية التي ذكرتها على المنبر وهي أن الإمام الباقر هو الذي تمت على يده العملة. ولكن السيد الأمين والشيخ عباس القمي ينقلان عن دائرة المعارف[4]  أن أول من سن السكة أي العملة أمير المؤمنين علي سنة 40 هـ  أي سنة مقتله بالبصرة، ولكن العملة استمرت إلى عهد عبد الملك بن مروان.

سابقاً لم يكن هناك تصنيع للعملة داخل الدولة الإسلامية، كانوا ينقلون القرطاس إلى الروم والرومان هم الذين يصنعون العملة ويبعثونها للمسلمين، وكانت العملة مكتوب على أحد وجهيها لا إله إلا الله محمد رسول الله، فأحد ملوك الروم غضب واستشاط من ذلك فمنع تصنيع العملة لهم، فوقع المسلمين في حيرة لأنه لابد من عملة تدار بها المعاملات وتتداول بها البضائع والسلع، فأرسل إلى الإمام السجاد فأشار عليه الإمام السجاد أنه لابد أن تُصنع العملة في داخل الدولة الإسلامية، بل عليك أن تأمر الناس بعدم التبايع إلا بالعملة المصنعة في داخل الدولة الإسلامية، فكان هذا سبباً في استقلال الاقتصاد الإسلامي عن أي اقتصاد آخر، حيث فُرض على الروم أن لا يتعاملوا مع المسلمين إلا بالعملة الإسلامية المصنعة في بلاد المسلمين، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يقال أن الإمام السجاد بعث ابنه الإمام الباقر لعبد الملك بن مروان ليشير عليه بهذه المهمة التي ذكرناها.


في الليلة الخامسة من المحرم وهي الليلة السادسة من القراءة، تحدثنا في تلك الليلة عن محاضرة أخلاق بلا دين أم دين بلا أخلاق، وذكرنا فيها أن حاجة الأخلاق إلى الدين حاجة عضوية جوهرية لا يمكن فصل الأخلاق عن الدين، ومن هنا جاءتنا أسئلة:

إذا كان الدين ضماناً للأخلاق فلماذا نرى المسلمين متخلفين في الأخلاق؟ ويقال أن الشيخ محمد عبده المصري عندما ذهب إلى فرنسا قال وجدت إسلاماً بلا مسلمين، ورجعت إلى الشرق فوجدت مسلمين بلا إسلام، أين الضمان لحاجة الأخلاق للدين؟

نحن نتحدث عن الدين لا عن المسلمين، هناك فرق بين الدين وبين المسلمين، نحن نتحدث عن الدين الواقعي وكيف يصنع في شخصية الإنسان إذا فعلاً عايش الإنسان الدين عقلاً وقلباً وسلوكاً، بلا إشكال سوف يكون قطعة إلهية على الأرض، يكون مظهراً لأخلاق الدين، وسوف يكون الدين ضماناً لاستمرار خلقه واستمرار سيرته الخلقية، أما إذا لم يكن معتقداً بدين أصلاً ربما يكون معك أميناً ومحترماً لك لكنه متى ما تعارضت مصالحه مع أن يتعامل معك بالأخلاق فإن الأهم عنده مصلحته، قدم مصلحته على الأخلاق، فأنت لا تعني له شيء حتى يعاملك بالأخلاق، هنا نحتاج إلى الدين لكي نضمن ثباته على الأخلاق.

كذلك المسلم المتدين بالدين ظاهراً لا حقيقة هو يقول أنا مسلم أصلي وأصوم ولكنه مفلس في عالم الأخلاق، وقد ورد عن الرسول محمد : الدين المعاملة. وهذا ما يقوله القرآن الكريم: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177] العنصر الأول الإيمان، والعنصر الثاني البذل والعطاء، والعنصر الثالث العبادة، وأما العنصر الرابع فهو الأخلاق.

نحن الآن استوعبنا الأسئلة المتعلقة بخمس ليال، وأما في الليالي التي بعدها أغلب الأسئلة جاءت عن ليلتين ليلة السحر، والليلة التي تحدثنا فيها عن القصيدة الحسينية وشروطها، لذلك نحن سنفرد الليلة الآتية للأسئلة المتعلقتين بهاتين الليلتين وتغطية هذه الأسئلة فيها.


في ليلة العاشر من المحرم:

ذكرتم أن الحسين جمع مضامين الشهادة ومعاني الشهادة، فكان شهيداً شهادة نورية عندما كان نوراً محيطاً بالعرش، وكان شهيداً شهادة ملكوتية لأنه شهيد على صحائف الأعمال كما هو جده الرسول ، وكان شهيداً بالشهادة الفقهية أي أن الإمام الحسين قُتل في المعركة من قبل البغاة وحكمه الفقهي أن لا يُغسل ولا يُكفن، حكم الشهداء. فجمع مضامين الشهادة لذلك هو سيد الشهداء، بينما هناك مقطع ينسب إليكم تقولون فيه بأن الحسين يجب تغسيله وتكفينه وأنه ليس شهيداً بالمعنى الفقهي.

ما نعتقده ونبني عليه هو أن الحسين شهيد بكل معاني الشهادة، فهو شهيد شهادة نورية، وهو شهيد شهادة ملكوتية، وهو شهيد شهادة فقهية، وحكمه أن لا يغسل ولا يكفن كسائر الشهداء الذين يقتلون أثناء المعركة.

وما في هذا المقطع كان توضيح لمبنى فقهي، ولحقته محاضرات وبينّا فيها المناقشة لهذا المقطع والتدقيق في الأدلة التي ذُكرت، وهذا كله موجود في موقع المنير، بإمكانكم الاطلاع على المقالات التي كتبناها مناقشة لما ورد في المقطع كتقرير وتوضيح للمبنى الفقهي.

[1]  البيان في تفسير القرآن ص 182
[2]  ص237
[3]  الجزء الثاني/ ص 232
[4]  الجزء السابع عشر/ ص404

حوار حول التفسير الفلسفي للسيد الطباطبائي في كتابه الميزان
حوار هادف | الجزء الثاني