نص الشريط
حوار هادف | الجزء الثاني
المؤلف: سماحة السيد منير الخباز
التاريخ: 14/1/1445 هـ
مرات العرض: 85
المدة: 01:37:51
تنزيل الملف: عدد مرات التنزيل: (26) حجم الملف: 33.5 MB
تشغيل:


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ «17» الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ «18» [الزمر: 17 - 18]

صدق الله العلي العظيم

امتداداً لما سبق عرضه في الليلة السابقة في الإجابة عن مجموعة من الأسئلة والملاحظات حول محاضرات عاشوراء لهذا العام، نتعرض لمجموعة أخرى من الملاحظات والأسئلة المتعلقة بمحاضرتي ليلة السادس من المحرم وليلة التاسع من المحرم، وملاحظة واحدة وردت على محاضرة ليلة الحادي عشر من المحرم.

نبدأ بالملاحظات التي وردت على محاضرة ليلة السادس من المحرم وهي المحاضرة التي كانت حول السحر والحسد والعين، وتعرضنا في ضمن المحاضرة إلى ما يعبر عنه بعلم الطاقة الذي أصبح متداول حديثاً وكلمات بعض العلماء في تزييف أو تفنيد ما يسمى بعلم الطاقة.

السؤال الأول: أنتم نفيتم قانون الجذب، وقانون الجذب هو أن كل ما تفكر فيه ينجذب إليك، إن فكرت خيراً جذبت الخير إلى نفسك، إن فكرت شراً جذبت الشر إلى نفسك، ففي النفس طاقة وهي طاقة الجذب ما تفكر فيه تجذبه إلى نفسك، ما تفكر فيه كأن تفكيرك فيه وتوقعتك له سبب من أسباب جلبه إليك، وهذا القانون أي قانون الجذب ذكرته الروايات فلماذا أنتم تنفونه؟ الرواية النبوية قوله : تفاءلوا بالخير تجدوه. والرواية الواردة عن أمير المؤمنين عليّ : كل متوقع آت. فهاتان الروايتان إشارة إلى قانون الجذب، ولماذا نصادر قانون الجذب؟ لماذا لا نعتبره قانوناً إسلامياً أو نعتبر ما نسميه بعلم الطاقة علماً إسلامياً نقوم بتطويره من خلال الروايات والأحاديث الشريفة بدلاً من مهاجمته؟

يقول السائل: الذين يمارسون هذا العلم لا يتخطون الحدود الإسلامية ويستدلون على ذلك بمجموعة من الأمور منها ما ورد تفاءلوا بالخير تجدوه، وهذا هو الموضوع الأساس الأكبر لعلم الطاقة، وهو يتحدث عن طاقة الجذب، وما ورد في الروايات من التخلص وأنتم بكرامة من القمامة وما له من آثار إيجابية، أو استحباب شرب الماء في أوقات واقفاً وأخرى جالساً والكثير من المكروهات والمستحبات وآثارها وهم يرون أن هذه تعتبر طاقة، إذ كل شيء له طاقة قد تكون جيدة وقد تكون سيئة وما يتعلق بالكون وتأثيره على حياة الإنسان، ولذلك هناك ليالٍ يُبْتعد عنها في الزواج وتسمى ليالي الكوامل وهذه أيضاً ترتبط بالطاقة وأمثال ذلك من الأمور.

هنا أمور ثلاثة في الإجابة عن هذا السؤال:

الأمر الأول: الاستدلال على قانون الجذب بما نُسب للنبي في قوله ”تفاءلوا بالخير تجدوه“، وقد نسبه السيد الطباطبائي في الميزان[1]  ولكن لا يوجد مصدر لهذا الحديث أصلاً حتى في كتب أهل السنة، وعلماء أهل السنة نفوه وقالوا هذا منسوب إلى النبي وليس له مصدر.

وأما الحديث الثاني: كل متوقع آت. هذه العبارة وردت في إحدى خطب الإمام علي ، وردت في نهج البلاغة[2] ، وقد كان الإمام علي يذم الدنيا يقول: ”فَلا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا، رَحِمَ اللهُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ، واعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ، فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الآخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ، وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ، وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ، وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ“.

واضح من سياق الخطبة الشريفة أنها تقول أن الإنسان في هذه الدنيا يتوقع المرض فالهرم فالموت، وهذا سيأتي حتماً، كما أن الأيام معدودة وستنقضي فما سيتوقعه من نهاية لهذه الدنيا من مرض وهرم وموت سيأتيه قطعاً، ولذلك عطف على هذه العبارة قال: الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَكَفَى بِالْمَرءِ جَهْلاً أَلاَّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ.

ذهب التستري والشيخ ميثم في شرح نهج البلاغة إلى أن المراد ب «متوقع آت» هو الموت فما بعده، خصوصاً أنه أعقبه قال: ”يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلَّا الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ“.

الأمر الثاني: لا إشكال في حسن الظن بالله، إذا كان المقصود أن الإنسان يحسن الظن بالله كما ورد في بعض الأبيات المنسوبة للإمام علي :

رَضيتُ  بِما  قَسَّمَ اللَهُ iiلِي   وَفَوَّضتُ أَمري إِلى iiخالِقي
كَما أَحسَنَ اللَهُ فيما مَضى   كَذَلِكَ  يُحسنُ  فيما  iiبَقي

هذا يعبر عنه بحسن الظن بالله والتوكل على الله وهو مطلوب، فإذا كان المقصود بالجذب والطاقة الإيجابية ربط الأمور بالله عز وجل وأن الله يكتب لنا الخير سواء الخير الذي نريده أو الخير الذي هو يريده لنا تبارك وتعالى، فهذا هو الموافق للروايات الشريفة، لا أن كل ما تتوقعه سوف يأتيك لاحظوا قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: 216] الإنسان لا يريد الشيء المكروه ولكنه يأتيه، وهو الخير له ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ

فليس المقصود بالطاقة الإيجابية أنني أريد ما أراه أنا صالح، بل ما يراه هو صالح، فهذا من تعاليم الدين، وهذه هي فلسفة الدعاء، فلماذا نحتاج إلى قانون الجذب ولدينا في المفاهيم الإسلامية مبدأ التوكل على الله، مبدأ حسن الظن بالله، مبدأ الدعاء ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: 60] الإنسان يدعو الله أن يعطيه الخير ما يراه هو سبحانه خير سواء أنا كرهته أو أحببته، ما يراه خيراً لي أنا أدعو به، ويستجيب لي ويعطيني ما يراه هو خيراً لي وصلاحاً، هذا هو الدين، التسليم لله تبارك وتعالى كما ورد عن الإمام الحسين : اللهم رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك. لا أنه أنا أمشي على قانون الجذب، بل أمشي على ما يريده الله صلاحاً لي وخيراً.

الأمر الثالث: الإنسان إذا درس أي مشروع ورأى إيجابياته ومطابقته للموازين الشرعية فليقدم عليه وليتوكل على الله، صحيح قد يخاف من التعثر والمشاكل، ولكن يقدم عليه متوكلاً على الله، وهذا ما ورد عن الرسول محمد : ”إن المؤمن لا يخلو من ثلاث: الطيرة، الظن، والحسد. إذا تطيرت فامض وإذا حسدت فلا تبغ وإذا ظننت فلا تحقق“

وأما في موضوع المستحبات والمكروهات والليالي الكوامل التي يتجنب الناس الزواج فيها، هناك فرق بين الأثر المادي الجسدي والأثر الغيبي غير المرئي، فالأول هو ما دلت عليه المستحبات والمكروهات كطريقة شرب الماء وإزالة القمامة من البيت، واستحباب السواك، وغسل اليدين قبل الطعام ومضمضة الجنب، كل ذلك يدخل في إطار الطب وليس في علم الطاقة، هي لوقاية البدن عن الأمراض والآفات الجسدية، ولا علاقة لها بما يسمى بعلم الطاقة.

وأما الثاني وهو الأثر غير المرئي والمحسوس، نحن ليس لدينا في الروايات عن الكوامل بل هي عادة جرت عليها الناس وهي الليالي الكوامل وليالي النحس، والموجود في الروايات المعتبرة فقط أنه يكره عقد الزواج والقمر في برج العقرب.

على أية حال هناك بحث عند العلماء أن هذه الكراهة قد تكون تعبدية أو أنها كراهة إرشادية، وإذا كانت كراهة إرشادية هل أنها ترشد لأثر غيبي لا يمكن لنا نيله والوصول إليه أو أنها ترشد إلى أثر يتعلق بالشياطين؟ أي كأن شياطين الجن مثلاً في هذه الفترة والقمر في العقرب لهم تأثير على نفس الإنسان بوسوسة أو إثارة أو ما أشبه ذلك، لأجل ذلك أمر بتجنب العقد والقمر في برج العقرب.

بالنسبة إلى ما ورد في القرآن الكريم: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق: 5]، وما ورد في الروايات من الرقية من العين، نقول: لم نقل أن العين أو الحسد لا أثر لهما وإنما قلنا لا دليل عندنا، لا يوجد دليل علمي على ترتب أثر على ما يعبر عنه بالعين، والروايات التي وردت في العين ضعيفة السند، عندنا رواية واحدة يراها بعض العلماء موثقة وهي رواية السكوني وبعض العلماء لا يقبلها، وهذه الرواية دعت إلى الرقية من العين باعتبار أن لعل لها أثر، أي يكفي في صحة الرقية والإتيان بها الوقاية، ويكفي في الوقاية احتمال وجود الأثر.

بعبارة أخرى إن قام الدليل من الكتاب أو السنة المعتبرة على وجود أثر تعبدنا به لأنه ورد في الكتاب والسنة لا لأنه مرتبط بعلم الطاقة، وباب الدعاء والأحراز الواردة عن أهل البيت وأشباه الأحراز هي الطريق للوقاية.

أما في مسألة تطوير علم الطاقة وإعادة شرحه إسلامياً تحتاج أولاً إلى إثبات أنه علم حتى تُبذل الجهود في تطويره وشرحه، ما هو المراد من أنه علم؟ هل المراد منه المصطلح المنطقي أم المراد منه هو العلم التجريبي أم العلم الغيبي؟

إذا كان المراد منه المصطلح المنطقي فإن العلم بالمعنى المنطقي يعني تصور الشيء أو التصديق به وينطبق على السحر والشعوذة ويسمون ذلك علماً، السحرة عندهم أن السحر علم، والشعوذة عند المشعوذين علم.

وإذا كان المراد بالعلم هو العلم التجريبي فإننا ذكرنا كلاماً لعدة متخصصين في تلك الليلة، قالوا هذا زائف، ولا يوجد ما يثبته علمياً، ولم يرد في أبحاث علمية أو في مجلات علمية متخصصة حتى نعتبره علماً.

وإذا كان المراد منه هو علم الغيب فعلم الغيب لابد أن يأتي عن أهل الغيب وهم أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، فلو ورد في روايات معتبرة لأخذنا به.

 السؤال الثاني: أنكم تهتمون بذكر أرقام الأجزاء والصفحات للكتب التي تحيلون عليها ولكن ما فائدة الإحالة بدون ذكر الطبعة مع تعددها.

هذه الملاحظة صحيحة، أحياناً أنا أغفل عن ذكر الطبعة مع تعدد طبعات الكتاب.

 السؤال الثالث: طرحتم نفس البحث في أبحاث التفسير في النجف الأشرف وقد ناقشتم كل الأدلة التي أوردها السيد الخوئي قدس سره، فهل تذهبون لعدم ثبوت الترتيب عن النبي ؟

نعم ذكرت في محاضراتي في النجف الأشرف مناقشات السيد الخوئي قدس سره وناقشت فيها، وما نعتقده هو أن ترتيب القرآن الموجود بين أيدينا مستند لإمضاء المعصوم وقد ذكرت ذلك في درس 24 إلى درس 27، ذكرت الأدلة المختلفة التي تثبت إستناد الإمضاء إلى الإمام المعصوم في هذه الدروس الأربعة.

 السؤال الرابع: تحدثتم عن علل الشرائع في ليلة الثاني من المحرم وهذا يختلف عن فقه المقاصد عند أهل السنة، فقه المقاصد عندهم بمعنى روح الشريعة السمحة يجتهدون في تيسير الشؤون الفقهية كدعوة الكاتب أسامة اليماني في مقالته بجريدة عكاظ في يوم الجمعة الفائت 28 يونيو عام 2023م دعا إلى الأخذ بالرأي الفقهي القائل بأن مواقيت الحج موسعة، أي أن الحج لا يختص بشهر ذي الحجة، الحج يبدأ من بداية أول ذي القعدة إلى ما بعد، ما الداعي إلى ازدحام الناس في يوم التاسع من يوم عرفة والدين يدعو إلى اليسر، وليست مخصوصة باليوم التاسع من ذي الحجة فما بعده.

فقه المقاصد عند أهل السنة ذكره إمام الحرمين الجويني، ذكره في كتابه البرهان في أصول الفقه. وذكره الغزالي في المستصفى، وذُكر في كتاب نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي وكلها بنفس المعنى الذي تناوله علماء الشيعة ومنهم ابن أبي جمهور الأحسائي في كتابه الأقطاب الفقهية[3] ، وكلام المحقق الحلي في الرسائل التسع[4] ، والشهيد الأول في كتابه القواعد والفوائد[5] ، وقد فصّل الكلام السيد محمد علي إيازي أحد الأساتذة في قم المقدسة في كتابه مقاصد الأحكام الشرعية وغاياتها. فالمعنى واحد والمبحوث في كلا كتب الطرفين.

السؤال الخامس: ذكرتم أن أحكام الرقيق هي أحكام تاريخية وقد انتهت والصحيح أن هذه الأحكام ما زالت سارية لو وجد العبيد، فالحكم باقي وإن انتفى هذا الحكم في مجتمعاتنا.

لم أقل أن أحكام الرقيق قد انتهت، ما صدرت مني هذه العبارة، ولم أقل أنها أحكام تاريخية، لعل الكاتب مشتبه، الأحكام موجودة ومبحوثة في الكتب الفقهية حتى الكتب المعاصرة منها، وإنما قلنا ظاهرة الرقيق ولم نقل أحكام الرقيق، يقال عن الإنسان أنه رق إذا وقع قتال وكان هذا القتال بإذن الإمام المعصوم إمضاءً وإشرافاً حينئذ يكون الإنسان رقاً، أما إذا لم يقع كذلك فالاسترقاق من دون سبب يكون استرقاق غير شرعي، وواضح أن القتال لم يخضع لنظر المعصوم منذ ما بعد زمن الإمام أمير المؤمنين علي إلى يومنا هذا، لذلك قلنا ظاهرة الرقيق تقلصت أو انتهت باعتبار أن سببها لم يقع.

وقلنا أن الدين واجه انتشار هذه الظاهرة بطريقة تدريجية وذكرنا العوامل التي طرحها الدين لتقليل هذه الظاهرة أو محوها بطرق تدريجية، أما لو وجد السبب الشرعي ووجد الرق فإن أحكام الرقيق موجودة كما نصت عليها الروايات، وكما ذكرها الفقهاء.

 السؤال السادس: من الواضح أن ما سقتموه في محاضرة ليلة الثالث من المحرم كأمثلة على تسرب نظريات الهرمينوطيقا إلى الكتابات الإسلامية كنظريات محمد شحرور في الحد الأدنى والأعلى في الإرث، ونظرية القبص والبسط لسروش غير دقيق، فهذه النظريات تدّعي البحث عن المراد الجدي للشارع من خلال تكامل نصوصه وهو خلاف نظرية الهرمينوطيقا التي ذكرتم أن أحد معالمها هو عدم النظر إلى مراد المتكلم أصلاً.

شحرور وسروش يدّعون أنهم يحددون مراد المتكلم، بينما الهرمينوطيقا قائمة على أن مراد المتكلم لا شغل لنا به وأن المحورية للمفسر فلماذا أدخلتم هذا في هذا؟

أما نظرية القبض والبسط للسيد عبد الكريم سروش فهي تصب في الهرمينوطيقا الفلسفية، وكلامي عنها دقيق وألقيت فيها عدة محاضرات في قم المقدسة، وهناك كتاب سيُطبع عني في هذا المجال، في مجال تفسير الوحي وكلمات هؤلاء الباحثين في حقيقة الوحي.

وأما ما ذكرته من أمثلة كمثال مثال الحد الأعلى والأدنى في الإرث لمحمد شحرور أنا ما ذكرته كأنه من الهرمينوطيقا بل ذكرته كنتيجة، أي لو قلنا بالهرمينوطيقا الفلسفية سنقبل كلام شحرور في تحديد الإرث وأن ما ذُكر في القرآن ليس حداً حاسماً للإرث إنما هو بيان للحد الأعلى والحد الأدنى، إذا قبلنا الهرمينوطيقا الفلسفية سنقبل كلام شحرور، ذكرناه كنتيجة لا أننا ذكرناه كمثال لهذا المنحى من البحث.

 السؤال السابع: في ليلة الرابع من المحرم تفضلتم عن نشر المسلمين لحضارتهم في البلدان التي فتحوها ولكن هذا لا ينفي ما تم في هذه الفتوح من جور وبطش وهتك للحرمات، وكثير من الدول الاستعمارية ترخي بظلال ثقافاتها التنظيمية في الدول التي يحتلوها بفتك السلاح والدمار، وبالنتيجة ما تفضلتم به دفاع مدفوع.

تلك الليلة كنت حيادي وبحثت المسألة من ناحية تاريخية، قلت: ما ثبت استناد الفتوحات للإمام عليّ من الناحية التاريخية، لكن لما جئت من الناحية الحضارية ذكرت الأمر بشكل حيادي، هناك من يؤيد ويستدل على أهمية هذه الفتوحات بما حصل للمسلمين من علوم وحضارة في البلدان التي فتحوها، وهناك من يعترض لما ترتب على هذه الفتوحات من قتل وسبي ونهب واحتلال وإلى غير ذلك، وأنا ذكرت وجهة كل من الطرفين ولم أرجح طرفاً على طرف.

 السؤال الثامن: بالنسبة إلى علم الطاقة استُدل على أهمية علم الطاقة ببعض مقولات نيكو تسلا وبنظرية آينشتاين النظرية النسبية، وبالعلوم الغريبة التي كان يمارسها الشيخ البهائي رحمه الله.

نيكو تسلا هو مخترع أمريكي وتنسب له هذه المقولة: إذا كنت تعرف فقط روعة ثلاثة وستة وتسعة فعندئذ سيكون لديك مفتاح الكون. وقد تداولها المهتمون بعلم الطاقة ونظّروا لها، وبحثنا ولم نجد أي دراسة علمية تصب في هذه المقولة بحيث تثبتها وتعتمد عليها، بل قد يكون منشأ المقولة ذاتي ناشئ عند تسلا، وفق ما قالته الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم أن تسلا كان يعاني من اضطراب الوسواس القهري، والذي أجبره على القيام ببعض الأشياء لعدة مرات تتعلق بالرقم ثلاثة، بما في ذلك السكن في غرفة فندق يمكن تقسيم رقمها إلى ثلاثة ونحو ذلك، إذن لا نستطيع أن نعتمد على مثل هذه العبارة المنقولة عن تسلا.

أما الشيخ البهائي رحمه الله نعم كان عالماً في الروحيات من الطراز الأول، وله كتاب «السر المستتر» لكن ليس في كتابه أي إشارة إلى ما يسمى بعلم الطاقة، ولم يستخدم هذا المصطلح حتى في كشكوله المعروف فكيف ينسب إلى الشيخ البهائي وإلى العلوم التي دخل فيها وأبدع أنه ممن يدعم أو يقول بمسألة علم الطاقة؟

 السؤال التاسع: في مسألة الفتوحات تعرضتم فقط لرأي الشيخ باقر القرشي، والشيخ علي الكوراني ولم تتعرضوا لرأي الشيخ الأنصاري وآراء كثير من العلماء الذين تعرضوا لمسألة الفتوحات.

هناك بحث تاريخي وهناك بحث فقهي، أنا ما تعرضت للبحث الفقهي لأنه بحث تخصصي، تعرضت فقط للبحث التاريخي حول روايات إمضاء الإمام علي للفتوحات المعاصرة لزمانه، وقد تعرضت لرأي الشيخ الكوراني والشيخ باقر القرشي لأنه يصب في البحث التاريخي.

أما في مجال البحث الفقهي فإنه لم يكن موضوعاً لذلك البحث، البحث الفقهي لا يتعلق بكون المنقولات التاريخية صحيحة أم لا، يتعلق البحث الفقهي في هل أن الأئمة رتبوا الأثر على ما حصل من الفتوحات من إمضاء الملكية في الفيء والأنفال والغنائم والرقيق أم لا، وأنا ما تعرضت لهذا البحث لأنه يستدعي متابعة الفتاوى والشهرات في المقام، وذكرت أن السيد الخوئي قدس سره له رأيان، له رأي بالموافقة، ورأي بعدم الموافقة، ورأيه المتأخر هو عدم الموافقة، ورأيه السابق زمانه هو الموافقة لهذا الإمضاء.

 السؤال العاشر: ذكرتم أن الدين ضمان للأخلاق والحال أن أكثر الأخلاق هي من المستحبات، والدين لا يلزم بها فأي ضمان؟ يستحب للإنسان التواضع، يستحب للإنسان أن يكرم الضيف، يستحب للإنسان أن يتصدق، هذه كلها مستحبات فكيف يكون الدين ضمان وهو لا يفرضها ولا يُلزم بها وإنما يراها من سنخ المستحبات؟

هذا الاعتراض غير صحيح، الأخلاق على ثلاثة أقسام: قسم حسنه ذاتي، وقبح مقابله ذاتي، قبح الظلم، قبح الكذب، قبح الخيانة، قبح سوء الظن، قبح الغصب والاعتداء. هذا القبح الذاتي مما حرمه الدين وألزم بتركه وأوجب ما يقابله من الأضداد، يقابل الظلم العدل، يقابل الكذب الصدق، يقابل الخيانة الأمانة وهكذا، ألزم به الشارع لأنه حسنه ذاتي وقبحه ذاتي، راجعوا الكبائر التي يذكرها العلماء في أول الرسائل العملية أغلبها ترجع إلى الأخلاق.

والقسم الثاني فيه اقتضاء للحسن والقبح، لذلك في الموارد التي يتم فيها الاقتضاء يكون الإنسان ملزماً به كقبح التكبر وقبح البخل، فهذا يدور مدار تمامية الاقتضاء في الموارد التي يكون فيها.

والقسم الثالث: هي الكمالات؛ هي من الأمور المستحبة.

فنحن عندما نقول بأن الدين ضمان للأخلاق نقصد القسم الأول وهو ما يكون الخلق ذاتي الحسن أو ضده ذاتي القبح كما مثلنا بذلك.

 السؤال الحادي عشر: ماذا تقولون فيما يوجد في كتب الأدعية من طلاسم وأحراز وتعويذات، وفيما يقوله القرآن الكريم: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق: 5] معناه أن للحسد شر، معناه أن له أثر فكيف تقول بأن هذه الأمور لا واقعية لها، جعل التعويذات والأحراز وإسناد الشر للحسد كل ذلك يدل على أن لها تأثير واقعي خارجي، فكيف يقال بأنه لا أثر لها؟

نحن فرقنا بين الحقيقة وبين الأثر، نحن لم نقل أن هذه الأمور لا أثر لها، الكلام في الحقيقة، ذكرنا كلام السيد الخوئي أن السحر لا حقيقة له لا يعني أنه لا أثر له، لكن ليس كل ما ليس له حقيقة يعني أن لا أثر له، لا حقيقة له بمعنى أنه لا يستند إلى أسباب ثابتة، الشيء الحقيقي أسبابه ثابتة لا تتغير بتغير الظروف والوقائع، عندما تقول أن هذا الأمر حقيقي أي أن له عوامل وأسباب تكوينية ثابتة، متى ما حصلت هذه الأسباب حصل، أما عندما تقول هذا الشيء لا حقيقة له، أي ليس له أسباب واقعية يستند إليها ولكن هو مهارة، فن، صنع معين يقوم به الساحر، إذا قام بهذه المهارة في ظروف محددة أحدث أثر نفسي، لا أثر جسدي أو مادي.

مثلاً ذكرنا في ليلة من الليالي لو أن إنسان ذكر كلمة مؤلمة، هو كلام لكن الناس تتأثر بهذه الكلمة، ليس تأثراً مادياً وإنما أثر نفسي، وجود الأثر النفسي للساحر لا يعني أن للسحر حقيقة واقعية مادية ترجع لأسباب مادية، لكن له أثر نفسي، وبما أن له أثراً نفسي جاءت التعويذات والأحراز وغير ذلك.

ولهذا ذكرنا في مسألة الحسد نفس الأمر، قلنا القرآن الكريم قال: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق: 5] لم يقل من شر الحسد، أي أن الأثر يحتاج إلى عنصرين: الحاسد، وأن يظهر حسده بعمل من الأعمال، أي كأنما النفس الخبيثة للحاسد هي مكمن الأثر، كأنما هذه النفس الخبيثة هي ذات أثر، فإذا انضم لهذه النفس الخبيثة عمل يظهره الحاسد ترجم تلك النفس الخبيثة وذلك الخبث بعمل من الأعمال يترتب عليه الأثر، لكن الأثر قد يكون أثراً نفسياً، قد يكون هذا الأثر استجلاب الشياطين، الشياطين لا ننكر أن لهم أثر، والقرآن دل على ذلك: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ «4» الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ «5» مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ «6» [الناس: 4 - 6] الشيطان جناً أو إنساً له قدرة على الوسوسة والوسوسة لها أثر خطير على النفس.

فإذن السحر والحسد والعين ربما تكون هذه الأشياء لها أثر من حيث أنها تستجلب الشياطين الذين يكون لهم أثر على الإنسان، نحن لا ننكر هذا، إنما نقول لم يقم عليه دليل، السحر ليس له واقع مادي خارجي، والحسد ليس له واقع مادي خارجي، لكنه بالنتيجة نوع من المهارة، نوع من العمل النفسي الذي قد يكون له أثر خطير على نفس الآخر.

 السؤال الثاني عشر: القرآن يتكلم عن نزغ الشيطان وعن مس الشيطان وقد جاءتنا أدلة من الآيات تقول: ﴿نَزَغَ الشَّيْطَانُ [يوسف: 100]، وآية تقول: ﴿مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ [الأعراف: 201]، ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف: 200]، وما ذكره القرآن عن أيوب ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: 41] وغيرها من الآيات، فكيف تقولون أنه لا يوجد مس للشيطان؟

السيد صاحب الميزان في تفسير القرآن[6]  قال: النزغ دخول في أمر لأجل إفساده، قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي [يوسف: 100] ويقال هو الإزعاج والإغراء وأكثر ما يكون حال الغضب، ويقال هو وسوسة من الشيطان.

فالنزع له معاني ثلاثة دخول في أمر لإفساده، أو الإزعاج والإغراء، أو الوسوسة. وكلها معاني متقاربة ترجع إلى حيثيات نفسية وليس لها آثار مادية خارجية.

الآية الثانية ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: 201] يقول السيد صاحب الميزان هذا تعليل للأمر في الآية السابقة، والطائف من الشيطان هو الذي يطوف حول القلب ليلقي إليه الوسوسة.

وفي الآية الثالثة ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: 41].

يقول السيد صاحب الميزان[7] ، الظاهر أن المراد من مس الشيطان بالنصب والعذاب استناد نصبه وعذابه إلى الشيطان بنحو من السببية والتأثير، وهذا لا ينافي استناد المرض إلى الأسباب المادية الطبيعية. يعني أن المرض الذي حل بأيوب مستند إلى أسباب طبيعية ومادية، ومع ذلك الشيطان جزء من التأثير في الوصول إلى هذا المرض، ولعله الشيطان وسوس إلى زوجة أيوب أو ابن أيوب ونتيجة هذه الوسوسة أن هذا الموسوس فيه وضع له طعاماً مسموماً أو قال له كلمات تؤثر على نفسه، بالنتيجة الشيطان له جزء من التأثير، لا أن الشيطان يدخل في الجسد، ويركب في الرأس، ويحرك الأذن، ويرمش العين، هذه أمور لم يقم عليها أي دليل سوى كلمات العامة من الناس.

وأما في قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: 90].

فإن الشيطان له نحو من التأثير ولو أنه أغراهم ووسوس لهم وحبب إليهم هذه الأمور وهذه المعاصي.

والسائل العزيز الذي طرح هذه الأسئلة مصر على أن الأمر صحيح لأن هناك رواية تقول: خدم أبو خالد الكابلي علي بن الحسين السجاد دهراً من عمره، ثم أراد أن ينصرف إلى أهله فأتى إلى علي بن الحسين وشكا إليه شدة شوقه إلى والديه فقال: يا أبا خالد يقدم غداً رجل من أهل الشام له قدر ومال كثير، وقد أصاب بنتاً له عارض من أهل الأرض ويريدون أن يطلبوا معالجاً يعالجها فإذا أنت سمعت قدومه فأته وقل له أنا أعالجها لك على أن أشترط عليك أني أعالجها على ديتها عشرة آلاف.... إلى أن قال: انطلق يا أبا خالد فخذ بأذن الجارية اليسرى ثم قل: يا خبيث يقول لك علي بن الحسين اخرج من هذه الجارية ولا تعد. ففعل أبو خالد ما أمره فخرج منها، فأفاقت الجارية وطلب أبو خالد الذي شرطه...

الرواية لم تثبت لأن رواتها مجاهيل وفيها أبو سمينة المعروف بالضعف فلا نستطيع أن نبني على رواية ونؤسس عليها علم وقواعد ومكونات عقدية وفكرية وهي ليست رواية تامة الاعتبار.

 السؤال الثالث عشر: بخصوص الطرح الاجتماعي والسياسي في القصيدة الحسينية وجدنا القصيدة الحسينية في وقتنا الحاضر في الخليج خاصة وفي العراق تتضمن أطروحات منها الهموم الإسلامية العامة كالوحدة الإسلامية، نصرة المستضعفين، النسوية، الشذوذ، قضايا خاصة، قضية أدعياء السفارة، التمسك بخط الفقهاء والامتثال لأوامرهم، تضمين إسقاطات والربط بما حدث تاريخياً لأهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين.

ثم ذكر السائل رأي بعض المراجع الكبار ممن دعوا في كلماتهم إلى تضمين القصائد الحسينية عن أفعال الظالمين ومثالبهم.

وهناك أيضاً تعليق آخر يصب في نفس هذا المضمون يقول:

لا تقحم القضايا كذلك، كما أسلف سماحته بأن القصيدة واللطمية أثرت طوال القرون الماضية دأبت مواكب أهل البحرين لخلط العزاء الحسيني بالقضايا التي تلامس واقعنا لتؤرخ على مدى الأعوام كقضايا الحجاب والسفارة والظلم المجتمعي والتمسك بالعلماء، وقد نتج عن ذلك جيل واع عارف؛ لأن تكرار هذه الكلمات واللطميات لها تأثير على العقل الباطن للمستمع لتجعله يدرك الحق فيقف موقفه، أتمنى من سماحتك أن تستمع لهذه القصائد.

ركزت تلك الليلة على القضايا المرحلية، وهذا التعبير بالمرحلية إشارة إلى الفرق بين قسمين، هناك قضايا مبدئية وهناك قضايا مرحلية، القضايا المبدئية مثل قضية الحجاب، وقضية محاربة الجندر ومحاربة أدعياء السفارة، والوحدة الإسلامية ومحاربة الشذوذ بلا إشكال هذه قضايا مبدئية ولابأس بالإشارة إليها ترميزاً، وذكر بعض الكلمات التي تشير إلى هذه القضايا المبدئية لكي يتثقف الجيل من ورائها، الكلام في القضايا المرحلية، تضمين العزاء القضايا المرحلية التي ستزول بأسباب معينة يوجب هجنة للعزاء، يجعل العزاء متجه دائماً إلى ما يثار لا إلى التأصيل والترسيخ، قضايا مرحلية لا يحسن إقحامها في العزاء، ويُرجع إلى العلماء وأهل الخبرة في تشخيص القضايا المبدئية التي تُحتاج أن تذكر في العزاء أو يشار إليها بطريقة رمزية وفرزها عن القضايا المرحلية المتغيرة.

 السؤال الرابع عشر: ما يتلق بمسألة اللحن قلتم تُجنَّب اللطمية ما يناسب مجالس أهل اللهو، ولكن هذه الألحان متعارفة وموجودة وليست بشيء جديد فلماذا نرفض القصائد المشتملة على هذه الألحان سواء كانت حزينة أو ألحان مطربة؟ هي ألحان شائعة ومعروفة ومستخدمة فلماذا نستنكف أو نقف موقف الرفض مع وجود هذه الألحان وشيوعها؟

انتشار اللحن اللهوي لا يوجب حليته، ما دام مناسباً لمجالس اللهو والطرب ومجالس أهل الفسوق، انتشاره بين الناس لا يرفع حرمته ولا يوجب حليته، وأما التشخيص للحن هل هو لحن مناسب أو غير مناسب فهو موكول إلى العرف العام، إلى الذين يعرفون ما هو المتداول سواء في مجالس الطرب أو مجالس العزاء، مجالس الشجى أو مجالس الفرح ويميزون بينهما ونأخذ برأيهم وتشخيصهم.

 جاءتنا ملاحظات علمية صحيحة نذكر منها ثلاث ملاحظات:

الملاحظة الأولى: ذكرتم في تلك الليلة أركان النظرية العلمية وذكرتم من الأركان الركن الخامس وهو أن تكون النظرية قابلة للتكذيب والتخطئة، واستندت في ذلك إلى الفيلسوف كارل بوبير، ولكن ما يخص كارل بوبير تعرض منهجه للنقد، واتضح أن النظرية العلمية أوسع من منهج قابلية التكذيب، وأن بعض من تمسك بمنهجه من علماء الفيزياء ليست له خلفية فلسفية.

ثانياً إن النظريات التي تتحدث عن النظرية العلمية تخطت منهج عميد فلاسفة العلم كارل بوبير، بل النظرية التي لا يمكن إخضاعها للتجربة قد تعتبر نظرية علمية، النظرية لا يمكن إخضاعها للتجربة مع ذلك يمكن أن تكون علمية إذا كانت هي الوحيدة في الساحة العلمية.

وقد ذكرت موسوعة الإنترنت الفلسفية أيضاً هذه الملاحظة، قالت: ظل تفسير بوبير للمنهجية العلمية مؤثراً ولكنه واجه عدداً من الاعتراضات الجادة، أدت هذه الاعتراضات إلى ظهور تفسيرات بديلة للتفكير العلمي.

الملاحظة الثانية: نقلتَ تلك الليلة عن كتاب الدكتور علي شاكر الفتلاوي الظواهر الخارقة، وهو شخص متخصص في مجال علم الفيزياء دافع عن الباراسيكولوجي، ذكر في كتابه[8] : في الحقيقة أن ميكانيكية الكوانتوم يكون فيها الجزيء غامضاً بل شبحياً بل إنه شيء بلا شكل ولا يمكن التعرف على خصائصه وقياساته. واستدل بالعالم ويلز ونقل عنه شبيه بهذا الكلام أن الجزيء لا يمكن التعرف على خصائصه وقياسه.

بعض الإخوة من المتخصصين قالوا هذا الكلام يحتاج إلى إضافة، صحيح أن الكواركس هو الجزيء اللامتناهي في الصغر ولا يمكن قياسه وتحديد خصائصه، ولكن من خلال تجارب المسرعات والمعجلات يمكن تحديد بعض الخصائص والقياسات إنما بشكل غير مباشر.

الملاحظة الثالثة: قلتم الجسم المادي لا يمكن أن يصل في سرعته إلى سرعة الضوء ولو وصل إلى سرعة الضوء لاستحال إلى الفناء وهذا لا يمكن أن يحصل، وقد بينت له مقصودي أنه ليس بالفناء أن الجسم يزول ويتبخر ويتلاشى، بل لا يحتفظ بخصائصه المادية وعناصره الكيميائية المادية إذا وصل إلى سرعة الضوء بل يتحول إلى طاقة لا متناهية إذا فرضنا أنه وصل إلى سرعة الضوء، ولذلك ذكر الأخ العزيز الذي أرسل هذه الملاحظة أنه يمكن التعبير بنحو علمي أكثر مما ذكر.

 السؤال الخامس عشر: ورد في زيارة الجامعة: «وإياب الخلق إليكم، وحسابهم عليكم، وفصل الخطاب عندكم» وهذه تعبيرات موهمة للغلو، ومثلها ما وُجد في اللطميات، فلماذا يغتفر هنا ولا يغتفر هناك؟

وجاءتنا بعض الاعتراضات على بعض اللطميات التي استشهدنا بها.

أردت أن أكرر نفس الأمور التي ذكرتها سابقاً:

أولاً لم نصف أحداً من الرواديد أو الشعراء بالغلو  حاشاهم  وهم خدمة المنبر الحسيني، وقد ذكرت تلك الليلة أنهم يمثلون اليوم المنصة الإعلامية لصوت الحسين ، هم يصنعون الآن ثقافة الأجيال أكثر مما تصنعه المحاضرات والمنابر والندوات، وهذا شيء يشكرون عليه ونحن نثني عليهم ومعهم ومنهم.

وقد ذكرنا روايات لعن الغلاة لا من أجل أن نصف خدمة الحسين من المعزين والرواديد والشعراء بأنهم غلاة بل لأجل بيان أننا بريؤون من الغلاة الذين لعنهم الأئمة صلوات الله عليهم، ولأجل أننا بريئون من الغلاة لذلك نحرص على أن تكون عباراتنا عبارات غير موهمة بالغلو، والعبارات الواردة هي موهمة وليست غلو حتى نقول أنه قصْد منهم.

ثانياً ما ذكرته هو تطبيق لكلام المرجعية العليا، ذكرناه بالحرف الواحد «فليحذر الشعراء والرواديد  جزاهم الله خيراً ونفع الله بهم  من العبارات الموهمة للغلو» ولا نتهم أحداً بالغلو، ولكن هي عبارات كل من يسمعها توهمه بالغلو وهي مما استطعنا الوصول إليه وإحصاءه.

أيضاً من الأمور التي ذكرناها في ليلة التاسع من شهر محرم حبذا الالتزام بما ورد في الروايات المعتبرة، ومنها زيارة الجامعة قال: «بكم فتح الله، وبكم يختم، وبكم ينزل الغيث، وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبكم ينفس الهم» أنتم الوسيلة، والمصدر هو الله تبارك وتعالى.

الروايات المعتبرة أو روايات مشهورة في الكتب المعتبرة بحيث تعطينا الشهرة وثوقاً فنأخذ منها أوصاف أهل البيت ومنها: «إياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم» الإياب والحساب على الله ولكن هم الوسيلة والواسطة، وقد ذكرت هذا في كتابي ميثاق الإمامة في آية الولاية. وذكرت في هذا الكتاب أننا نعتقد بالولاية التكوينية لأهل البيت التي تنبسط على الوجود كله بعوالمه وذراته ومجراته، وبحثتُ هناك بحثاً علمياً دقيقاً عن الفرق بين العلة الفاعلية غير المستقلة، والواسطة في الفيض، والشرط المتمم لقابلية القابل وليس مصححاً لفاعلية الفاعل. هذه فروق علمية دقيقة ذكرناها وبحثناها بحثاً مفصلاً، إنما نحن نقول لا تُستخدم عبارة توهم الغلو.

 السؤال السادس عشر: ما يتلق بآية التطهير التي تحدثتم عنها في ليلة الحادي عشر: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33] الضمير المذكر في كلمة «عنكم» يعود على كلمة أهل، وأهل في القرآن جمع مذكر كما قال تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود: 73] مع أن المخاطب أنثى.

واللام في كلمة «ليذهب» تعليل لما سبق من أوامر ربانية لنساء النبي كأن الآية قالت افعلن كذا وكذا يا نساء النبي من أجل أن يطهركم، ولا علاقة للتطهير بالعصمة وأهل البيت أعلى مقاماً من أن يطهرهم الله.

أولاً هذا الكلام طرحٌ للروايات، طرح لسبعين رواية من أربعين طريق، بعضها عن الأئمة كالإمام علي والسجاد والصادق والكاظم والرضا يقولون أن هذه الآية نزلت في خصوص الخمسة الأشباح محمد وعلي وفاطمة وحسن وحسين، ولا ربط لنساء النبي بالآية. هذه روايات أهل البيت فكيف نطرح هذه الروايات!

وثانياً اللام للتعدية وليست للتعليل كما قال تبارك وتعالى في آية أخرى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [المائدة: 6] لام لتعدية الفعل لمفعوله، اللام للتعدية وليست لام التعليل وإلا لو قلنا بلام التعليل لكان لازمه أن تكون «إنما» لغو.

وثالثاً البعض يفهم من كلمة تطهير أنهم نجسين والله يطهرهم، بينما تطهير تفعيل وهو بمعنى إحداث الشيء مثل قول عندي تخطيط للبيت، والبيت ما وُجِدَ أصلاً، ومعنى ذلك أوجدت البيت مخططاً، فتطهيرهم يعني أوجدهم من الأصل طاهرين وليس أوجدهم غير طاهرين ومن ثم طهرهم حتى يقول أن أهل البيت أسمى من ذلك.

رابعاً الأخ اشتبه بين كلمة أهل وأهل البيت، وقد ذكرنا في المحاضرة أن كلمة أهل تطلق على المؤنث والمذكر، وإذا خاطبت المرأة بأهل يصح أن تعبر بضمير النسوة، يصح أن تقول للمرأة يا أهل فلان اعملي، يا أهل فلان اعملن؛ لأن أهل تطلق عليهما. الكلام في عنوان أهل البيت، وإنما خاطب القرآن زوجة إبراهيم وقال: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود: 73] ما كان خطاباً لها بل كان خطاب لمجموع بيت إبراهيم ومنهم زوجته، وإنما كانت زوجته من أهل بيته لأنها ابنة عمه فبينه وبينها لحمة نسبية لذلك أدخلها القرآن في أهل البيت، وقد ورد الاستشهاد بآية التطهير في كثير من الروايات بأنهم من أهل آية التطهير.

[1]  الجزء التاسع عشر/ ص77
[2]  الجزء الأول/ ص197
[3]  ص35/ طبعة قم سنة 1410
[4]  الطبعة الأولى/ ص167
[5]  الجزء الثاني/ الطبعة الأولى/ ص138
[6]  الجزء الثامن/ ص381/ الطبعة الأولى
[7]  الجزء الثامن/ ص96
[8]  ص51/ الطبعة الأولى

حوار هادف | الجزء الأول